→ الفهرس

٠٤ / ١٦

أبريل

الوزن والسرعة والمسافة، ومحاولة فهم ما يتغير فيّ.

٩ دقيقة · ١٦٤٠ كلمة

الركض في الربيع

لكل فصل طريقته في امتحان العدّاء. في أسفاري إلى المدن الباردة، ما إن يبدأ الثلج بالذوبان حتى أستقبل البرك المائية. أحتاج إلى حذاء يقاوم الماء، وربما سترة للمطر، وإلى شيء من الحكمة في اختيار الملابس: طبقة زائدة فأتصبّب عرقًا، وطبقة ناقصة فأرتجف. وحين أعود إلى دبي، أجد الدفء قد سبقني، وأبدأ بتقديم موعد الركض صباحًا.

يطول النهار، فأرى من الطريق ما كان يخفيه الظلام. وفي المدن التي تنفض عنها الثلج، تعود مسارات الحدائق إلى الظهور، ومعها الطيور وأولى الزهور. من مزايا الخروج مبكرًا أن ترى هذه الأشياء قبل ازدحام المشاة. أحبّ أن تكون لي من المدينة هذه الساعة الهادئة.

بعد السفر في الشتاء أفرح بالعودة إلى حذائي العادي: حذاء للأسفلت الجاف وللسرعة، لا لمقاومة الماء والبرد. أغيّر الحذاء فأشعر أنني أخفّ وأسرع. لم تتغيّر ساقاي، لكنهما تتصرّفان كأنهما تلقّتا خبرًا سارًّا.

أغبط المدن المعتدلة على أيام الربيع والخريف. قرأت كثيرًا عن مزايا الركض في حرارة تقارب عشر درجات مئوية: يبرّد الهواء الجسم، ويقلّ الجهد الذي يبذله لتنظيم حرارته. وتبدأ هناك السباقات الربيعية؛ فرصة لأختبر نفسي في رحلة جديدة. أتابع مواعيدها من دبي، وأفكّر في الحذاء قبل حجز الطائرة.

والربيع يغري بالبدايات: تستعدّ للصيف، وتريد جسمًا أخفّ ولياقة أفضل. لا يشترط عام الركض أن يبدأ في يناير. ابدأ حين تقرّر؛ أما أنا، فأحسب في دبي حساب الصيف الآتي كلما اخترت موعد الحصة ومكانها.

الربيع وقت مثالي للركض، ما دمت تختار وقتك ومكانك بعناية.

ذلك السؤال الدائم: كيف أنحف؟

ما أسهل أن نعقّد الأمر، وما أصعب أن نبسّطه.

لست اختصاصي تغذية. أفهم المسألة ببساطة ما بقي في ذاكرتي من دروس المدرسة: يدخل الطعام والشراب حاملَين طاقة نقيسها بالسعرات الحرارية، وينفق الجسم هذه الطاقة ليبقى حيًّا ويتحرّك. مفاعل حيوي صغير نحمله معنا أينما ذهبنا.

الفكرة البسيطة أن الطاقة الداخلة، إذا زادت على المصروفة، قد تتراكم في مكان ما، مثل الدهون في أنحاء الجسم. وإذا أنفقت أكثر مما استهلكت، احتاج الجسم إلى فتح مخزونه واستخدام الطاقة المدّخرة. أتعمّد تبسيط الصورة إلى أقصى حدّ كي يتّضح المبدأ.

تركّز حميات كثيرة على ما يدخل الجسم: ماذا نأكل، ومتى، وكم من الدهون والبروتين والكربوهيدرات؟ وتساعدنا التطبيقات في عدّ السعرات ومتابعة القيود. أما أنا، فأحد قيودي البسيطة أنني لا أضيف السكر إلى القهوة أو الشاي أو الطعام. إذا كان موجودًا أصلًا في طبق جاهز، لا أقيم الدنيا بسببه. طرق ضبط الطعام كثيرة؛ وهذا كل ما أريد قوله هنا.

لكن مراقبة ما آكله بهذه الدقّة تملّني. يشدّني الطرف الآخر من المعادلة أكثر: ماذا أفعل بالطاقة بعد أن تدخل جسمي؟

بهذا المعنى يتيح الركض إنفاق قدر كبير من الطاقة. كلما ركضت أكثر، أنفقت أكثر. وحين يميل الميزان إلى أن يكون ما تنفقه أكبر مما تتناوله، ويستمر ذلك بانتظام مدة كافية، ينخفض الوزن. تبدو الفكرة واضحة!

إذن، انتبه: كان سرّ خسارة الوزن عندي بهذه البساطة، «اركض أكثر مما تأكل». وكلما انتظمت في الركض، أسرع نزول وزني. لكن حجم التدريب لا يُزاد فجأة؛ ينبغي أن يرتفع تدريجيًا، وإلا عرّضت نفسي للإصابة.

رأيت مرة في الصالة رجلًا ثقيل الوزن يجتهد في تمارين البطن. لم يبدُ ضعيفًا؛ تخيّلت أن عضلاته موجودة وقوية، لكنها تختبئ تحت طبقات من العشاء الدسم. وقلت لنفسي إن ثلاث حصص أو أربعًا أسبوعيًّا قد لا تكفي لما يريده. كنت أفكّر وقتها في أثر شهرين أو ثلاثة من الركض اليومي، عشرة كيلومترات أو اثني عشر في اليوم. ذلك كان تصوّري وأنا أراقبه، لا معرفة منّي بجسمه أو بطعامه.

وهذا أحد أسباب ركضي كل يوم. وأمشي مع الكلب أيضًا. في أيام كهذه كنت أنفق، بحسب ما أسجّله، خمسمئة سعرة إضافية أو ثمانمئة، وربما ألفًا وخمسمئة.

في تطبيق Garmin قسم اسمه Insights، أقارن فيه نتائجي بنتائج المستخدمين الآخرين. أتصور أنهم كثيرون جدًّا، ربما مئات الآلاف أو الملايين. وفوجئت، بعد نحو شهرين من التدريب، بأنني ضمن أكثر ١٪ منهم نشاطًا: خطواتي ومسافاتي تجاوزت ما يقطعه ٩٩٪ من مستخدمي Garmin في مختلف الفئات العمرية. يبدو أنني أنفق طاقة كثيرة.

لكن ما معنى «نشاط كثير»؟ كيف وجدت نفسي ضمن هذا الواحد في المئة؟

أمشي في المتوسط ١٧ ألف خطوة يوميًا، وكثيرًا ما أصل إلى ٢٥ ألفًا، ورقمي الأعلى ٤٨ ألفًا. ومتوسط ركضي على مدار العام ٦٫٥ كم يوميًا. قبل رؤية إحصاءات Garmin لم أظنّ أن هذا كثير إلى تلك الدرجة؛ فإذا بي متقدّم على ٩٩٪ من المستخدمين في المقارنة. صدمة! فكّرت يومها: إلى أي حدّ أصبحت حياتنا قليلة الحركة إذا كان قطع ١٣ كم يوميًا يضعني ضمن هذا الواحد في المئة؟

قرأت يومًا حكمة صينية قديمة تشبّه الحركة بمفصلات الباب: قد يبلى الباب، لكن المفصلات التي تتحرّك باستمرار تبقى صالحة. كانت مفصلاتهم خشبية، لكن الصورة بقيت في رأسي ببساطتها. علينا أن نتحرّك.

وسأسبق الحكاية قليلًا: أوضح التغيّرات في جسمي ظهرت عندما بلغت نحو ثمانين كيلومترًا في الأسبوع. وصلت إلى ذلك في يونيو.

للأمر إزعاجاته أيضًا. صرت أكاد أتوقّع التعليق عند كل نافذة جوازات: «لا تشبه صورتك!» أعترف بأن هذا النوع من الإزعاج يسرّني.

نصف ماراثون بقميص جاف

بعد أن تعرّفت إلى التدريب بحسب النبض، أردت أن أجرّبه على مسافة جادّة: نصف ماراثون. لم أسجّل في سباق؛ خرجت وحدي لأرى ماذا يحدث إذا أبقيت نبضي منخفضًا طوال الطريق.

رسمت في دبي مسارًا يمرّ بحديقة ثم بمحاذاة الواجهة المائية، وخصّصت له وقتًا كافيًا في يومي. استعددت وخرجت في صباح ربيعي مبكر.

كان هدفي صارمًا: ألّا يتجاوز نبضي ١٤٥ طوال المسافة. والأفضل ألّا ينخفض عن ١٣٤، لكن الأهم ألا يصعد فوق ١٤٥.

لم أطلب من نفسي مزيدًا من السرعة أو المسافة. أردت شيئًا واحدًا: أن يبقى النبض داخل ذلك النطاق الضيّق.

كانت لديّ خبرة تكفي لأعرف أنني قادر على قطع المسافة، وأقدّر الوقت الذي ستستغرقه، ومتى سيأتي التعب، وكيف سأشعر في النهاية. كثيرًا ما أنهيت نصف ماراثون منهكًا إلى حدّ حاجتي إلى ساعة نوم كي أستعيد نفسي. جوع وعطش شديدان، وساقان ترتجفان، وقميص يمكن عصره حرفيًا.

كانت التجربة مختلفة عن كل ما سبقها. حتى إحساسي بالركض بدا غريبًا.

كأنني أقود سيارة رياضية في شارع تملؤه كاميرات السرعة. المحرّك يزمجر: هيا، نستطيع أسرع من هذا! وأنا أقاوم إغراء الضغط على الدوّاسة. بل أرفع قدمي عنها كل قليل، ملتزمًا بالحدّ الذي وضعته لنفسي.

أنظر إلى الساعة كل بضع ثوانٍ. ما إن أسرع قليلًا حتى يصعد النبض، فأخفّف السرعة، أو أمشي، أو أقف حتى يعود إلى النطاق المطلوب. وكنت أبدأ بكبح نفسي عند ١٤٢، قبل الحدّ الأعلى الذي وضعته. أقف ما لزم الأمر، ولو لم يعجب ذلك غروري. تمرين في الانضباط بقدر ما هو تمرين في الركض.

كدت أضحك من نفسي: أخرج للركض ثم أمضي الوقت أكبح رغبتي فيه! لكنني نجحت. كان أول نصف ماراثون أنهيه من دون إنهاك. ولم أشعر بالعطش الذي اعتدته، مع أنني قطعت واحدًا وعشرين كيلومترًا، وكان قميصي شبه جاف.

كان أفضل زمن لي في نصف الماراثون آنذاك ساعة و٥٠ دقيقة. أتدري كم استغرقت هذه الجولة؟ لا أعرف، ولن أفتّش حتى في الأرشيف. الزمن هنا لا يهمّ ولا علاقة له بالفكرة. ربما أكثر من ساعتين.

خرجت من التجربة بمهارة جديدة: أن أركض طويلًا وأنا أراقب النبض كما يراقب السائق عدد دورات المحرّك. لا أدعه يرتفع كثيرًا، ولا ينخفض دون النطاق الذي اخترته للحصة. أحافظ عليه كأنني ألعب لعبة تحتاج إلى يد هادئة. واكتشفت أنني أستطيع.

وجدت في هذا النوع من التدريب فائدة كبيرة، لصحّتي ولنتائجي معًا.

والعجيب أن السرعة التي كانت تبدو عالية جدًّا تصبح، بعد مدة، وتيرة عادية لحصة هادئة. تتغيّر قدرتك من دون أن تظلّ كل يوم تطارد أقصى ما تستطيع.

عن الوتيرة: دقائق لكل كيلومتر

يستخدم العدّاؤون كلمة pace، أي الوتيرة، للتعبير عن السرعة من زاوية أخرى. نقيس السرعة عادة بالكيلومترات في الساعة أو الأمتار في الثانية. أما العدّاء فيسأل: كم دقيقة أحتاج لقطع كيلومتر؟ أو ميل، لمن يستخدم الوحدات الإمبراطورية. هذه هي وتيرة الركض.

تحسب التطبيقات الشائعة هذه الوتيرة وتعرضها في نتائج التدريب. فتستطيع مقارنة الحصص بحسب المسافة والزمن، وكذلك بحسب وتيرتك في كل جزء من المسار. إذا كانت الوتيرة ست دقائق للكيلومتر، فأنت تقطع كيلومترًا واحدًا في ست دقائق، أي عشرة كيلومترات في ستين دقيقة. إذن وتيرة ٦ دقائق/كم تعادل سرعة ١٠ كم/ساعة.

لإكمال الماراثون في نحو ٤ ساعات تحتاج إلى وتيرة تقارب ٥:٤٠ دقائق/كم، ولنحو ٣ ساعات إلى قرابة ٤:١٦ دقائق/كم، وهكذا.

يصعب المحافظة على وتيرة ثابتة تمامًا طوال المسافة، إلا على جهاز المشي. غالبًا تتغير الوتيرة من جزء إلى آخر، وترسم في التطبيق منحنى متعرجًا. وبسبب هذه الأسنان أسمي حصصي المفضلة «المشط». وتحليل منحنيات الوتيرة في التطبيق متعة بحد ذاته.

بعض العدّائين المدرَّبين جيدًا يستطيعون الحفاظ على وتيرة ثابتة جدًا طوال المسافة. في السباقات الكبيرة يعملون مرشدي وتيرة، أو pacers: منارات متحرّكة بانتظام، يبيّنون لك الزمن الذي ستنهي به السباق إذا بقيت معهم. أناس يستحقّون التقدير!

حجم التدريب

إلى هنا، كنت قد ثبّتّ عادة الركض، وتجاوزت مشقّة البدايات، وتعلّمت أن أحافظ على نبض منخفض.

وماذا بعد؟

جاء دور حجم التدريب. والمقصود به مجموع المسافات التي أقطعها خلال مدة محدّدة؛ أهتمّ عادة بمجموع الأسبوع ومجموع الشهر. هذان الرقمان يقولان عن تدريبي أكثر مما تقوله حصة واحدة.

قد تبدو لك حصة واحدة من ٥ أو ١٠ أو ٢٥ كيلومترًا إنجازًا مهمًّا، لكنها لا تعني الكثير وحدها في الصورة العامة. يجدر النظر إلى مجموع المسافات على مدى أطول.

حين بدأت الركض بنبض منخفض، كدت أتوقّف عن الشعور بالتعب. هنا انكشفت لي متع الركض كلّها. المسافات التي بدت طويلة جدًا أصبحت ممكنة، وصرت أستطيع اختيار حجم شهري مناسب لي.

بخبرتي السابقة، اعتدت أن أقطع بين مئة ومئة وعشرين كيلومترًا في الشهر، أي نحو خمسة وعشرين إلى ثلاثين كيلومترًا في الأسبوع.

هذا حجم متواضع في الحقيقة، وقد يكفي إذا لم تضع أهدافًا شديدة الطموح. كنت أرى أن هذا الحجم يسمح بنصف ماراثون جيد دون ساعتين، وأن المحافظة عليه ٨–٩ أشهر قد تقود إلى ماراثون في نحو ٤–٤٫٥ ساعات.

ومن هنا جاءت علاقتي البسيطة بين الحجم والنتيجة: إذا أردت الركض أسرع، أزيد المسافات تدريجيًا حتى أصل إلى حدّي الشخصي. الناس مختلفون واستجاباتهم مختلفة، لكن هذا هو المبدأ الذي كنت أتبعه.

في الشهر الرابع من عام الركض، شعرت بأنني أصبحت مستعدًا لزيادة المسافات. تجاوزت ١٧٠ كم، وفي الشهر التالي تخطّيت ٢٠٠ كم. وصار حجمي الأسبوعي، الذي بدأت أراقبه، نحو ٤٠–٥٠ كم.

زيادة المسافة خطوة مفهومة، لكن الاستجابة تختلف من شخص إلى آخر. كنت أستهدف زيادة تدريجية بنحو عشرة إلى خمسة عشر في المئة شهريًّا، وأتجنّب القفزات المفاجئة.

حين بلغت مسافاتي الشهرية نحو مئة وخمسين إلى مئتي كيلومتر، بدأت أشعر بأنني قادر على المزيد. وأردت سباقًا رسميًّا أستعدّ له. وجود موعد وهدف محدّد يغيّر معنى الحصص؛ يصبح لكل واحدة مكان في الطريق إلى شيء أنتظره.

مايو أمامنا، ومعه فرص للمشاركة في السباقات أثناء السفر. الهدف يقترب.