→ الفهرس

١٢ / ١٦

ديسمبر

التسويف والعائلة، وما يصنعه التحسن الصغير حين يتكرر.

٨ دقيقة · ١٥٧٣ كلمة

وصفة ضد التسويف

في ديسمبر تحدثت في مؤتمر بعنوان «مهم، لكنه غير عاجل». تناول أصدقائي وزملائي كيفية وضع أهداف طموحة، واتخاذ الخطوة الأولى، والمحافظة على التركيز أثناء تنفيذ الخطط، ثم كيفية البقاء سعداء في خضم ذلك كله. كان مؤتمرًا ممتعًا، واكتشف كثير من المشاركين شيئًا عن أنفسهم.

دُعيت إلى فقرة «كيف تواصل ولا تستسلم»، لأتحدث عن تجربة الركض اليومي. لم تكن التجربة تتعلق مباشرة بأهداف العمل أو بالقدرة على تنفيذ الخطط، لكن المنظمين دعوني لسبب ما، فحكيت عن عامي مع الركض.

وأنا أستمع إلى المتحدثين، فكّرت في كثرة ما نشكو التسويف. نريد عادات تجعلنا أنشط، ثم نحمل الأعمال المهمة من قائمة سنة إلى قائمة السنة التالية. الاستيقاظ المبكر صعب، وإنهاء الرسالة الجامعية صعب، والكتاب ينتظر، والعادات لا تتغيّر. نعرف ما نريد، ونؤجّل البدء به.

بعد المؤتمر خطر لي أن تحدي الركض ٣٦٥ يومًا كان تدريبًا ممتازًا على مقاومة التسويف. يصعب عليّ تخيل وسيلة أنجع للتخلص من هذه العدوى. إذا استطعت الركض ١٨٠ يومًا أو ٣٠٠ يوم، تبدو لك عبارات مثل «لا أستطيع إجبار نفسي على النهوض صباحًا»، و«لا أستطيع إنقاص وزني»، و«لا أجد وقتًا للكتب» طريفة حقًّا. لا تعود تفهم موضع الصعوبة: افعل ما عليك فعله، وحسب.

أشعر أن العالم مليء بالمسوّفين والساعين إلى الكمال: أولئك الذين يقولون إن عدم فعل الشيء خير من فعله بصورة سيئة. وهكذا يظلون يستعدون لإتقان كل شيء، ولا يفعلون شيئًا. هذا كمال غير ضروري، وغير منتج. خير أن تفعل شيئًا، ولو بقدر من الارتباك، وأن تتقدم بالفعل. والركض المنتظم يدرّب هذه المهارة. حصة غير مثالية أفضل من حصة ضائعة؛ تصبح هذه الفكرة واضحة جدًّا. فتتعلم أن تتحرك، بدل أن تخطط ثم تضع كل شيء على الرف. كنت أقول لنفسي: التأنّي حكمة. ثم اكتشفت أنني أتأنّى منذ ثلاثة أشهر في شراء رباط حذاء.

بعد عام من الركض، صار التسويف بالنسبة إليّ ذكرى…

نصائح ذكية لا أعرف ماذا أفعل بها

آخر العام وقت مناسب لأفهم ما جرى، ثم أفكّر فيما أريد بعده.

أقرأ كثيرًا عن الركض وأتابع مدوّناته. ولاحظت مفارقة: كي يكتب المرء كلامًا نافعًا، يحتاج إلى معرفة وخبرة. لكن الخبرة نفسها قد تُنسيه كيف يرى المبتدئ الأمور. فتخرج نصائح ممتازة، بعيدة عن الشخص الذي كُتبت لمساعدته. صاحبها يعرف أكثر مما يسمح له بتذكّر حيرة البداية.

كثيرًا ما يكتب المقالات أشخاص ينهون الماراثون في ساعتين وخمس وأربعين دقيقة، أو ساعتين وثلاثين دقيقة، أو أقل. آراؤهم في الاستعداد للماراثون تستند إلى نتائج قوية وتستحق الاهتمام. لكنها، بالنسبة إلى شخص لم يركض عشرة كيلومترات بعد، تشبه إرشادات البقاء على قيد الحياة فوق القمر. صحيحة، لكن فهمها صعب وتطبيقها بعيد المنال.

لنفترض أن مدربًا يوصي بيوم أو يومين للراحة أسبوعيًّا. أفهم أهمية ذلك عندما تتجاوز المسافات ٨٠ إلى ١٢٠ كم في الأسبوع؛ فالمتحمسون والمحترفون يحتاجون إلى الراحة. لكنني كنت أرى، عندما لا أقطع إلا ٢٠ إلى ٢٥ كم أسبوعيًّا، أن يوم الفراغ يخرجني من إيقاعي. كان جسمي، في تقديري، يحصل على راحته أصلًا، وأن الحصص الصغيرة يومًا بعد يوم لا تتحداه بما يكفي: يتكيف مع الجهد المحدود ويتوقف تقدمه.

قرأت من قبل عن إنهاء النصف الثاني من الماراثون أسرع من الأول، أو ما يسمّى «التقسيم السلبي». تبدو فكرة صحيحة حين تستطيع الركض بوتيرة أسرع من خمس دقائق وثلاثين ثانية للكيلومتر. أما إن كنت تفتقر إلى التحمل الأساسي، فإن دعوتك إلى التسارع بعد الكيلومتر الحادي والعشرين تبدو نكتة سوداء، بل تكاد تكون سخرية. سواء عرفت هذه الاستراتيجية أم لم تعرفها، لا فرق كبيرًا حين ينفد مخزونك من الكربوهيدرات، وتصطدم بجدار الماراثون، وتعجز عن الركض أصلًا؛ فأي زيادة في السرعة؟ احتجت إلى أربعة ماراثونات قبل أن أتعلم التحكم في وتيرتي، ولو بارتباك. يا لغبائي! يبدو أن عقلي لا يتعلم إلا بقدميّ.

ومثل ذلك توصية الركض لمسافات طويلة بنبض منخفض: قاعدة ذهبية. لكن المبتدئ قد يبذل كل ما لديه لمجرد إتمام عشرة كيلومترات. فيرتفع نبضه، ولا يكرر التجربة كثيرًا، ولا يرى تقدمًا واضحًا. ومع غياب الفائدة المحسوسة، يبدأ بالتخلي عن النشاط تدريجيًّا.

تختلف معرفتك بجسمك وقدراته اختلافًا جذريًّا بين بداية عام الركض ونهايته. أنظر إلى تدريباتي القديمة في أرشيف Nike وGarmin وStrava، فيقف شعر رأسي: كيف فعلت ذلك؟ حين أرى سرعتي ومسافاتي في تحديي الأول، أتعجب كيف استطعت إنهاء الماراثون في أربع ساعات. تبدو لي الآن معجزة، أو مصادفة لا تفسير لها.

الآن أستطيع أن أنظر إلى الوراء وأفهم الطريق الذي قطعته. ثم أضع خطط الموسم المقبل، وأناقشها مع من سيعيشون معي نتائجها.

شريك الحياة

إذا كنت متزوجًا، فإن موقف شريك حياتك من الركض سيكون من أهم العوامل المؤثرة في نجاحك. الدعم يجعل الطريق أسهل. أما إذا لقيت اللوم لأنك تغيب كثيرًا، أو تتحدث بلا انقطاع عن التدريب، أو تسافر إلى السباقات، فستصبح الأمور… صعبة.

يقولون: إذا كنت عدّاء وما زلت متزوجًا، فأنت لا تتدرب بما يكفي. أظن أن في هذا مبالغة. وربما يكون الأفضل، بهذا المعنى، أن أتدرب قليلًا.

كانت ناتاشا تريدني أن أنحف. نعم، مرّ وقت كان هذا فيه مطلبًا منها. وعدتها، فشجّعتني في البداية. ثم أخذني الحماس أبعد مما توقّعنا، وبدأت المفاوضات: موعد العشاء، ووقت الإفطار، ومتى أخرج، ومتى أعود. حصة واحدة على ساعتي تستطيع أن تحرّك جدول البيت كلّه.

وفي النهاية لان قلبها. حين رأت القوام الذي وصلت إليه بفضل الركض، تصالحت مع الأمر، وصارت تتقبل التدريب باعتباره جزءًا طبيعيًّا من حياتنا. لا بد للرجل من هواية، والركض ليس أسوأ الهوايات.

حاولت أن أجتذبها إلى مجتمع العدّائين، لكن النجاح كان محدودًا. تركض قليلًا، وتحب الساعات الرياضية التي تتابع صحتها. أما الركض معًا فصعب: سرعتانا مختلفتان جدًّا، ولا تنسجمان على مسار واحد. يمكننا الخروج في وقت متقارب، لكن في طريقين مختلفين ولمسافتين مختلفتين. ومع ذلك، فإن تبادل الإنجازات والانطباعات متعة تقرّبنا كثيرًا.

لا يزعجها رف الملابس الرياضية، ولا حذاء يساوي ثمن هاتف، ولا درج الفيتامينات. وأنا ممتن جدًّا لذلك. أعدّ نفسي محظوظًا حقًّا.

وإذا احتجت إلى حجج تقنع بها شريك حياتك، فإليك قائمتي:

  • أحتاج إلى الحركة، والركض ليس أسوأ من الاشتراك في الصالة، ولا يأخذ وقتًا أطول بالضرورة.
  • وأرجو أن يساعدني الانتظام على صحّة أفضل وأيام مرض أقل.
  • أعود بأماكن اكتشفتها في الطريق، لنزورها معًا لاحقًا.
  • وقوام من يركض أرجح، في مرافعتِي هذه، من قوام من لا يفارق المسلسلات.
  • وقد يقلّ ما أنفقه على الكحول والسجائر وغيرها مما لا ينفعني.
  • وهناك إنجازات يمكنك أن تفخر بها أمام أصدقائك.
  • ولن تنفد موضوعات الحديث. أبدًا!

صاغ نيتشه يومًا فكرة أعجبتني: أن الحديث هو غاية الزواج. ليس الأطفال، ولا إدارة البيت، ولا الجنس، ولا السعادة، ولا الرعاية، ولا زيادة الميراث؛ بل المحادثة. فكرة دقيقة. فإذا اختُزل الزواج في رعاية كل طرف للآخر، فقد تستيقظ أدوار الوالد والطفل. أما الحديث فيتيح تبادل الآراء والمعارف، وتعلّم التفاهم، ونمو الشخصيتين معًا.

والركض لا يقطع الحديث بيننا؛ يضيف إليه بابًا لا أكاد أفرغ منه.

وهي تراني الآن أكتب عنها في هذا الفصل. بعد قليل سنتحدّث، على الأرجح، عن الركض والكتب والرحلات المقبلة، وعن كل ما فعلناه هذا العام.

واحد في المئة كل مرة

تُروى كثيرًا حكاية ديف برايلسفورد مع الدراجات البريطانية. لم يكن بطلًا عظيمًا على الدراجة، لكنه اشتهر بما فعله في تدريب الآخرين. تسلّم المسؤولية في وقت لم تكن النتائج تثير الإعجاب، حتى إن بعض الرعاة، بحسب الرواية الشائعة، تردّدوا في ربط منتجاتهم بالفريق. ومن هنا بدأ التحوّل.

ابتكر برايلسفورد مفهوم «المكاسب الهامشية»، أي تراكم التحسينات الصغيرة، وطبّقه بنجاح. كانت فكرته أن تحسّن كل جانب مما تفعله بنسبة ١٪. وإذا تحسنت جميع جوانب ركوب الدراجة بهذه النسبة الصغيرة، تراكمت التحسينات وأحدثت أثرًا كبيرًا.

شمل ذلك مختلف جوانب إعداد الرياضيين: التغذية، والنظام اليومي، وراحة الأسرّة، ووزن الإطارات، وشكل المقاعد، وجلّ التدليك. كان ثمة مجال للتحسين في كل مكان. وبدأ الفريق بإصلاح أمور صغيرة طال التسامح معها لأنها صغيرة. حاربوا الأخطاء التي تكاد لا تُرى، وحللوا كل خطوة وحركة ليحسّنوها ولو بنسبة واحد بالمئة.

تراكمت التفاصيل الصغيرة، ثم ظهرت نتائج كبيرة. ومن المحطات التي لفتت الأنظار فوز درّاج بريطاني بسباق فرنسا لأول مرة. ما كان يبدو تحسينًا لا يكاد يُرى صار شيئًا يراه الجميع.

لا أتوقّع أن أجد نفسي، أو أن تجد نفسك، في سباق فرنسا قريبًا. لكن فكرة جمع المكاسب الصغيرة تستحقّ أن نأخذها معنا إلى الركض.

وللأسف، يتراكم الصغير السيئ أيضًا. برغي لا يطابق المقاس، ولحام غير متقن، وخطأ بضع درجات في تقدير الحرارة؛ كل عيب يبدو هيّنًا وحده. ثم تجتمع العيوب فيتعطّل هاتف أو سيارة، وربما يسقط صاروخ. التفاصيل تتعاون، للخير ولغيره.

برغر وبطاطس بدل السلطة اليوم، وحصة أؤجّلها لأجلس إلى كأس جعة غدًا؛ لن أرى في المرآة كارثة صباح اليوم التالي. لكن تكرار هذه الاختيارات أعوامًا يترك أثرًا لا أستطيع تجاهله.

أريد أن أخسر عشرين كيلوغرامًا، أو أن أخوض ماراثونًا؟ جميل. لكن الإنجاز الذي سيظهر في يوم واحد تصنعه انتصارات صغيرة كثيرة قبله: حذاء مناسب، ونوم أفضل، وحصص متنوّعة، وقرارات أكرّرها. تأتي النتيجة يومًا، لكن العمل لم يبدأ يومها.

حين تبدأ التعمق في الركض، تذهلك كثرة النصائح. كل عدّاء، وأنا منهم، يعدّ نفسه خبيرًا مستعدًّا لإفادتك. مواقع ومدونات ومدربون، والجميع ينصحون. أيّها ينفع؟ يصعب الجزم، لكنني كنت أميل إلى الاعتقاد بأن معظمها قد ينفع. قرأت كثيرًا وجرّبت كثيرًا على نفسي؛ وكانت حصيلة التجارب غالبًا إما عادية، وإما مفيدة جدًّا.

كنت أندهش من كثرة الأفكار التي تنفعني حين أجرّبها. المشكلة أن النصائح كثيرة إلى حدّ يجعل الإصغاء إليها كلّها مستحيلًا.

حذاء، وتقنية، وطعام، وتنويع للحصص، وتوزيع للجهد، وتنفس، وتجهيزات... من أين أبدأ؟ أريد عادة أن أصلح الأهمّ أولًا ثم ألتفت إلى الباقي. لكن ما الأهمّ هنا بالضبط؟

لكل ذلك نصيب. ولا يلزمني أن أتقن شيئًا إلى الكمال قبل أن أبدأ بغيره؛ سأنتظر طويلًا إن فعلت. أحسّن جانبًا قليلًا، ثم جانبًا آخر، ولو واحدًا في المئة، وأستمرّ. تتراكم الخطوات الصغيرة حتى يصبح لها أثر واضح.

لعلّ هذا ما أحببته في تحدي ٣٦٥: تدريب منتظم، وتحسينات يومية صغيرة في نفسي. انتصارات صغيرة كثيرة، كثيرة جدًّا. صغيرة، نعم، لكنها كل يوم. وهي التي تقود إلى تغييرات شخصية كبيرة.

ولهذا أحبّ القراءة عن الركض أيضًا: أبحث في كل كتاب عن فكرة واحدة تدفعني خطوة إلى الأمام.

لهذا أرى فائدة في الاستماع إلى نصائح الركض، أو معظمها على الأقل، وتجربة ما يناسبني منها إذا منحني تحسنًا ولو بنسبة ١٪. ومع الوقت قد تصبح النتيجة كبيرة، أو ذات قيمة شخصية على أقل تقدير.