على الطريق
أخذني الركض إلى أماكن لا يجمع بينها إلا حذائي. لاسا، على ارتفاع يقارب ٣٦٥٠ مترًا؛ يكفي أن أذكر الارتفاع لتفهموا ما عانيته. وباريس قرب برج إيفل، وساحل الأطلسي في المغرب وأزقّة مراكش القديمة، وجبال سوتشي، وستون تاون في زنجبار، وبخارى وأستانا، وسفوح كليمنجارو. لكل مكان في ذاكرتي نَفَس مختلف.
أحاول في كل مكان أزوره أن أترك مسارًا مسجّلًا في Nike Run Club.
ولأنني أحبّ الصباح، أستيقظ مبكرًا وأخرج لأرى ما حولي قبل الإفطار. أعود إلى المائدة ومعي حكاية صغيرة لم تبدأ عند بقية المسافرين بعد.
كان اكتشاف الأماكن من أول الأسباب التي دفعتني إلى الركض. لم يبقَ السبب الوحيد، ولا الأهمّ دائمًا، لكنه لم يفقد مكانه عندي.
أعترف بأن السفر شغفي. حين أختار فندقًا في مدينة جديدة، أنظر إلى موقعه وإلى المعالم التي أستطيع بلوغها على قدميّ؛ فهذا جزء من خطة الرحلة. وحتى إذا لم يكن اختيار الفندق بيدي، أبحث عما أستطيع الوصول إليه، وما قد أجده مثيرًا هناك، وأحاول أن أراه.
السائح الذي يمشي يحمل أشياء كثيرة، ويتنقّل على مهل، ولا يسعه أن يرى إلا بضعة معالم. وبين معلم وآخر قد يطول الطريق عليه. أما أنا فأحبّ أن أرى الصورة تتغيّر أسرع، وأن أخرج قليلًا عن الدائرة التي يرسمها يوم سياحي عادي.
لعلّ كل رحلة تتضمّن مبيتًا تحتاج إلى ثلاثة أشياء: حذاء ركض، وجواز سفر، ومال. والبقية يمكن شراؤها هناك. صار حذائي أول من يحجز مكانًا في الحقيبة، ثم أتفاوض مع بقية الأمتعة.
قدرة الإنسان القديم على التحمّل
سأبدأ بفكرة تسعدنا جميعًا: الإنسان من أكثر المخلوقات قدرة على التحمّل. نتفوّق في هذا الجانب على الفهد والدب والجاموس والصقر والتمساح. نعم، يولد كلٌّ منّا بإمكانات تحمّل لا بأس بها.
تميّز أسلافنا الصيادون بقدرتهم على ملاحقة الفريسة طويلًا، ولا سيما إذا جرحوها وواصلوا مطاردتها حتى تنهك. كانت المثابرة والتحمل أداتين في واحدة من أقدم طرائق الصيد وأنجحها.
كنت أقرأ عن مزايا جسم الإنسان في هذا السباق الطويل: المشي على قدمين، والتعرّق الذي يساعده على التبريد، وقدرته على الاستفادة من الهواء. وكنت أخرج من القراءة بفكرة أحبّها: الركض ليس اختراعًا غريبًا نفرضه على أجسامنا؛ له مكان قديم في حياتنا.
لكن الاستعداد شيء والقدرة المدرَّبة شيء آخر. لا نولد جاهزين لماراثون. نحتاج إلى التدريب كي نبلغ ما نستطيعه، ونفقد بعضه إذا أهملناه، ثم يمكننا استعادته.
تأثّرت كثيرًا بالجزء من كتاب يوفال نوح هراري «العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري» الذي يتناول الإنسان قبل الزراعة وإنتاج الغذاء. يعبّر الكاتب عن محبّته لذلك العصر، وقد انتقلت إليّ عدوى هذا التعاطف.
يصف هراري إنسانًا قديمًا يعرف من بيئته ما لا أعرفه أنا من مدينتي. يحمل في رأسه خريطة واسعة لمناطق الصيد، بتضاريسها وتفاصيلها. يعرف النباتات والفطر وعادات الحيوانات، ويميّز الأصوات والروائح، ويحسن التصرّف حين يفاجئه شيء. ويربط الكاتب هذه الحياة بقدرات ذهنية واسعة، ويتحدّث عن أدمغة أكبر من أدمغتنا. يعيش ذلك الإنسان في المكان بكل حواسه، في فصوله المختلفة، ويأكل من تنوّع حيوانه ونباته. أما أنا، فكم نبتة صالحة للأكل أستطيع أن أميّز في غابة بعد دروس الأحياء؟ عدد لا يدعو إلى الفخر. معرفته كانت معرفة يعيش بها، لا معرفة يجيب بها في امتحان.
وكان الصيّادون القدماء يعيشون عمرًا لا بأس به. من ينجُ من الطفولة وحوادث الصيد قد يبلغ شيخوخة تقارب ما نعرفه اليوم. وكانت أجسامهم متناسقة القدرات: سرعة ومرونة وخفّة وتحمّل وقوّة. تخيّل مجتمعًا من الأذكياء الأقوياء! صاغهم الانتقاء الطبيعي، ونحن نحمل جيناتهم.
عاش الإنسان بهذه الطريقة مئات آلاف السنين، فتشكّل جسمه تطوّريًا لهذه الحياة. أما تدجين الحيوان والزراعة والثورة الصناعية والمجتمع الحديث فجاءت بسرعة بالقياس إلى ذلك، وفقدنا للأسف بعض مهاراتنا الطبيعية. لم تعد حاسة الشم مثلًا بهذه الأهمية في الحياة اليومية. كيف حدث ذلك ولماذا؟ سؤال كبير؛ اقرأ هراري، ولنعد نحن إلى الركض.
تعجبني هذه الصورة المتخيّلة للماضي: إنسان سريع، مرن، قوي، قادر على التحمّل. أريد أن أكون مثله! وحين أركض وأمارس اليوغا وأرفع الأثقال، أتخيّل أنني أقترب قليلًا من النشاط الطبيعي لأسلافي. كانوا يتحرّكون كثيرًا ويتعبون ويأكلون بشهية. حسنًا، سأفعل مثلهم.
وبالتدريب المنتظم تتّسع خريطتي حول البيت في دبي، وحول المكان الذي أقيم فيه خلال السفر. أكتشف ممرات وتفاصيل في التضاريس لم أنتبه إليها: ارتفاعًا طويلًا خفيًا في الطريق، وبركًا بعد المطر، وشجيرات عطرة، وفي بعض البلدان أشجار تفّاح ناضجة. تتكوّن في رأسي خريطة أدقّ لمساحة أكبر. هكذا أشعر بأن الركض يعيدني إلى حياة أكمل وأكثر انسجامًا مع المكان.
تضاريس التدريب والسباق
أريح الطرق للركض طريق مستوٍ، قليل المنعطفات، لا يفاجئني بصعود أو هبوط. أثبّت السرعة وأتابع جسمي. يوفّر المضمار مثل هذه الراحة، وإن بدا طريقًا مصمّمًا بعناية أكثر مما تسمح به الحياة خارج الملعب.
أما الماراثون أو نصف الماراثون في مدينة، فقد يخبّئ لي تضاريس أخرى، ومعها أحاسيس لم أتدرّب عليها.
الركض صعودًا صعب فعلًا. يخفق القلب بقوّة وتتعب العضلات فجأة. وإذا لم أتدرّب عليه، تهبط السرعة ويبدأ ذعر صغير. يقول أبو القاسم الشابي: «ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر». أنا أحبّ الجبال، لكن يبدو أن ساقَيّ لم تقرآ القصيدة بعد.٣
كان صديقي يحبّ التدريب في حديقة غوركي بموسكو، على المسار المحاذي للنهر، حيث تغيّر الارتفاع قليل ومتدرّج. ورغم حجمه التدريبي الجيد، لم يكن مستعدًا لتلال ماراثون موسكو، فأحبطته النتيجة. موسكو مدينة تلال، وتشعر بها جيدًا في السباق الطويل. بلغ مجموع الصعود في المسار الذي أتحدّث عنه أكثر من ٣٧٠ م، وهذا كثير. قد يضحك عدّاؤو المسارات الجبلية، لكنه تحدٍّ لمن اعتاد الأرض المستوية. والسباقات في مدن أخرى قد تفاجئك بالارتفاعات أيضًا.
لذلك فهمت أن الاكتفاء بمسار أو مسارين شبه مستويين لا يكفي. أراقب مجموع الصعود في التدريب وأنوّع المسارات. وهذا يهمّني أكثر حين أستعدّ في دبي لسباق في مدينة مختلفة التضاريس. وظيفة التدريب أن يوسّع مهاراتي.
للمحافظة على السرعة صعودًا، أقصّر الخطوة وأزيد معدلها، فتتحرك قدماي أسرع. ومن جهة أخرى، المرتفع أمام الجميع، وليس أمامي وحدي؛ كلنا نواجه الصعوبة نفسها. وهذه فرصة لتجاوز رفاق لم يتدربوا على مثل هذه المناورات.
أما في النزول فأستطيع التسارع، والمهم ألا أسقط. أحبّ خطواتي الواسعة، بمقاييسي، على المنحدر. أشعر بأن الجاذبية تعمل لصالحي وتسمح لي بقليل من «الغشّ». كل خطوة تحملني أبعد من المعتاد، فأستغلّها للتسارع.
أحذية الركض
يا إلهي، هذا موضوع يستحق كتابًا كاملًا! الأحذية الرياضية ظاهرة مهمة في الثقافة الشعبية. إنها محاولة البشر لصنع أكثر الأحذية راحة. ويعبّر كثيرون عن أنفسهم بها، في ملايين التصاميم التي ترضي مختلف الأذواق.
لكن فئة واحدة منها، أحذية الركض، هي ما يعنينا في الاستخدام الرياضي هنا. وحتى لهذه الفئة عالمها الخاص. فرق من المهندسين والمصممين والمختصين بالحركة تطوّر نماذج وتجرب مواد جديدة بحثًا عن الحذاء المثالي. تتغير أفضل النماذج من سنة إلى أخرى، وتبلغ مستويات جديدة. ولا بد أنك ستجد حذاء يناسب بنيتك وطريقة تدريبك.
اختيار الحذاء عند العدّاء شغف قائم بذاته. يكرّس له اهتمامًا كبيرًا، لأنه يأمل أن يساعده الاختيار الصحيح على تفادي الإصابة وتحسين النتيجة.
في البطولات الكبرى والأولمبياد تجري منافسة غير رسمية: بأي أحذية فاز أكبر عدد من الفرق والرياضيين؟ كأن لمصنّعي الأحذية جدول ميداليات خاصًّا، فيه متصدرون ووافدون طموحون. ومن الممتع معرفة الأحذية التي ارتداها فريقك ورياضيّوك المفضلون. عالم كامل، فعلًا.
أما العلامة التجارية فلكل واحد ذوقه. أنا أقسّم أحذيتي بحسب ما أحتاج إليه منها:
حذاء التدريب اليومي هو أداة العمل الأساسية: تخوض به معظم حصصك، ولذلك يبلى أسرع من غيره. أفضّله بسيطًا نسبيًّا، موثوقًا على الأسفلت والحصى، وثابتًا على الأسطح المختلفة.
حذاء خفيف قليل الحجم للصالة والسفر. أضعه في الحقيبة من دون مفاوضات طويلة على المساحة. لا أطلب منه معجزة؛ أريده حاضرًا حين أحتاج إليه. أستطيع بالطبع استخدام حذاء التدريب الأساسي على الجهاز، لكن من اللطيف أن يكون لديّ زوج يسهل حمله في الرحلات.
حذاء دافئ للبرد القارس. حين تأخذني الرحلة إلى حرارة تقارب عشرين درجة تحت الصفر، أقدّر كل طبقة عازلة فيه. يكون أثقل وأبطأ غالبًا، لكن مهمّته أن يتيح لي الاستمرار فوق الثلج، بنعل ذي بروزات متماسكة. لا أطلب منه رقمًا قياسيًّا؛ يكفيني أن أعود وقد أكملت الحصة.
حذاء مقاوم للماء، للمطر والركض على المسارات الطبيعية: بطبقة تمنع الماء وبروزات قوية في النعل للطرق الترابية والغابات والأرض الصعبة.
وحذاء أحتفظ به للسباقات والاختبارات المهمة: خفيف قدر الإمكان، وموفّر للجهد، وإن كان أغلى ثمنًا.
ولهذه المناسبات يشتري بعض العدّائين أحذية بصفائح كربون ذات تأثير نابضي. لها عمر محدود من الكيلومترات تحتفظ خلاله بخصائصها، لكنها مخصّصة لأسرع جولاتك.
حين اشتريت أول حذاء كربوني، قال البائع إن عمره المميّز نحو ٢٠٠ كم. جرّبته في اختبار لمسافة ١٠ كم، ثم احتفظت به لأهمّ السباقات، وحقّقت فيه أفضل أرقامي الشخصية في كل مرة.
هكذا وصلت قائمتي إلى نحو خمسة أزواج. ثم تأتي الألوان والأذواق والرغبة في التعبير عن النفس، ويصبح من الصعب أن نعرف أين تنتهي الحاجة ويبدأ الولع بالأحذية.
القاعدة العامة معروفة: لا ينبغي للحذاء أن يضغط على القدم. كنت أفضّل أن يزيد حذاء الركض نصف مقاس تقريبًا عن حذائي اليومي. والخطأ في الاختيار قد يعني أظافر متضرّرة وإصابات محتملة.
ما أرتديه للركض
يمكن أن أركض بحذاء وقميص وسروال، وينتهي الأمر. هذا هو الحدّ الأدنى. لكن حاول أن تناقش عدّاءً في معنى «الحدّ الأدنى» وستطول الجلسة؛ فما يمكن اختراعه من قطع وأدوات لا ينتهي.
تحدثنا عن الأحذية، لكن لها إضافات أيضًا، منها وسادات الكعب: قطع صغيرة من المطاط اللين توضع تحت الفرشة الداخلية لتخفيف الصدمات. وضعتها في حذائي الأساسي ذي رغوة React اللينة، وكانت مريحة إلى حد أنني نسيتها. وبعد غسل الحذاء لم أعدها إلى مكانها، فكانت الحصة التالية أشد إيلامًا. ما أسرع الاعتياد على الراحة! هناك الفرشة اللينة الأصلية، وهناك الوسادة الإضافية. وتوجد أيضًا فواصل خاصة بين أصابع القدم لتحميها من الاحتكاك.
يمكن الركض بالجوارب العادية، وهناك أيضًا جوارب خاصة: ضاغطة، أو ذات حشوات تمنع الاحتكاك أعلى القدم، أو خامات تطرد الرطوبة وتقلّل البثور. وبعضها يحمل غشاءً يسمح بخروج الرطوبة ويمنع دخول الماء، أو يدعم وتر العرقوب والكاحل، أو يقوّي منطقة الكعب أو الأصابع. الجوارب القصيرة تناسب الصيف والصالة، وتوجد جوارب ضاغطة إلى الركبة، وأخرى سميكة دافئة للشتاء.
وفوق الجوارب تأتي أكمام الضغط للربلتين. أعجبتني فكرتها الشبيهة بالضماد: تمسك الساق بإحكام وتمنح إحساسًا إضافيًا بالدعم. كنت أفهم فائدتها بأنها تساعد الدورة الدموية والتخلّص من اللاكتات، وتقلّل التعب والتورّم والتشنّج وتسرّع التعافي. بدت لي معجزة صغيرة للركض، بشرط المقاس الصحيح. والمفارقة أن ما اشتريته في البداية صار ضيّقًا لاحقًا؛ عضلات الربلتين تكبر! أرتديها تحت السروال أو مع الشورت.
أُصبت مرة إصابة طفيفة في ساقي اليسرى، وساعدتني أكمام الضغط على مواصلة الركض. بدأت بارتداء الكمّ على اليسرى وحدها، لكن مختصّين قالوا لي إن الضغط ينبغي أن يكون متماثلًا على الساقين، وإلا عرّضت نفسي لإصابة أخرى. لم أختبر الأمر بنفسي؛ ومنذ ذلك الحين أرتدي الزوج معًا.
في البداية خجلت من السراويل الرياضية الملتصقة بالجسم، وخشيت أن أبدو غريبًا. ثم اعتدتها وأصبحت ملابسي المفضّلة للركض. إنها سراويل شديدة الالتصاق، وبعضها ضاغط، لكنها مرنة ومريحة للركض والإطالة، ولا تتطاير أثناء الحركة. قد تكون الطبقة الأولى أو الوحيدة. لديّ سراويل طويلة للجو الأبرد، وأخرى بطول ثلاثة أرباع تصل إلى ما تحت الركبة، فتترك الربلتين حرتين، للصيف أو الصالة.
تضغط هذه السراويل قليلًا على الفخذ، فأشعر بالحركة بوضوح أكبر. وعادة تحمل جيوبًا صغيرة بسحّاب للمفتاح والبطاقة والأشياء الصغيرة. وقد يقع الجيب خلف الخصر في المنتصف، وهو موضع غريب مقارنة بالملابس العادية، لكنه لا يزعجني ولا يحتكّ بي أثناء الركض.
وبعضها يحمل سحّابًا أسفل الساق للتهوية، أو لإغلاقها بإحكام فوق الجورب الطويل. وللرحلات الباردة توجد سراويل مبطّنة بالفليس، مريحة جدًا.
حقيبة خصر الركض مفيدة للهاتف والمفاتيح وأكياس جلّ الطاقة. الكبيرة تعوق الحركة، فالأصغر أفضل. يمسك بعض المبتدئين الهاتف بأيديهم لتغيير الموسيقى ومراجعة النتائج وإيقاف التسجيل، لكن هذه العادة تغيّر حركة الذراع وتستهلك طاقة إضافية. لذلك أفضّل وضعه في حقيبته.
شورت الركض يختلف عن شورت الملاكمة والسباحة. ليس الفرق غامضًا؛ أهمّه الخياطات الدقيقة التي تقلّل الاحتكاك. أحبّ النوع ذا الطبقتين: طبقة ظاهرة وأخرى داخلية. وكذلك الملابس الداخلية، أختارها بخياطات رقيقة، خصوصًا للمسافات الطويلة.
حيلة صغيرة: أضع دائمًا بطاقة عملي في الجيب الصغير لسروال الركض أو في حقيبة الخصر، تحسّبًا لأي طارئ. لا أحمل جواز سفري في جيبي عادةً، مثل معظم الناس على ما أظن. لكن إذا شعرت بوعكة أو وقع حادث، أريد أن يتمكن المارّة من معرفة هويتي ومن الاتصال بأحد. فالعدّاؤون يتشابهون كثيرًا، في النهاية!
وما أضيفه إلى الحقيبة
تبيع المتاجر الرياضية أوشحة أنبوبية خفيفة، أشهرها Buff. أشكال وخامات لا تنتهي: دافئة وخفيفة ومن الألياف الدقيقة ومبرّدة، مع رسوم مدن وجبال وزخارف أو بألوان سادة. أريد السير على طريق سانتياغو، فاشتريت وشاحين يحملان مسار سانتياغو دي كومبوستيلا. أستخدمها حول العنق، أو فوق الأنف في البرد، أو على الرأس مع المطر والشمس. وتغريني بارتدائها حتى خارج الركض.
ثم تأتي النظارات الرياضية، والقبّعات ذات الحافة التي تقي الشمس، وسترات المطر الخفيفة التي تسمح بخروج الرطوبة ويسهل حملها في السفر. وهناك السترات بلا أكمام، والكنزات بغطاء رأس، وغيرها مما لا تنتهي به واجهات المتاجر.
سأتحدّث عن القمصان القصيرة لاحقًا، أما هنا فالمقصود القمصان ذات الأكمام الطويلة. توجد منها أنواع بأجزاء ضاغطة، ووظيفتها الأساسية تهوية الجسم وطرد العرق. لم أجد بينها قميصًا مفضّلًا نهائيًا؛ أميل شخصيًا إلى القمصان الضيّقة المصمّمة للفنون القتالية. لا تحتكّ بجلدي، وتريحني في طقس الربيع والخريف البارد أثناء السفر.
يُقال إن أهل سيبيريا لا يبردون لأنهم يحسنون ارتداء الملابس، لا لأنهم لا يخافون البرد. تعجبني الفكرة. في بعض رحلات الشتاء يبدو الركض مستحيلًا: من يخرج للرياضة في هذا الجو؟ ثم ترى السترات المحشوّة المخصّصة للركض، بأكمام أو من دونها، بتصميم جميل، فترغب في الخروج لمجرّد أن تستعرضها.
وأنا أرتاح شخصيًا إلى قبعة رياضية خفيفة تغطّي الأذنين. تساعدني على ضبط الحرارة وتثبيت السماعتين، وتريحني من التفكير في شعري. تعوّدت هذه العادة حتى صرت أرتدي قبعة في مختلف الفصول، مع اختيار النوع المناسب للحرّ أو البرد.
في البرد تتأثّر الأصابع قبل كثير من أجزاء الجسم. كنت أتصوّر أن الجسم يبدأ بتقليل إمداد الأطراف ليحافظ على الأعضاء الأهمّ. لذلك أحمل قفازات لرحلاتي الباردة: أحيانًا بلا أطراف للأصابع في الجو المعتدل، ومنها قفازات CrossFit، ثم كاملة الأصابع حين يشتدّ الشتاء.
أجمع الملابس في طبقات بحسب الجو. السروال الضيّق والقميص الطويل أولًا، وفوقهما شورت وقميص، ثم سترة بغطاء رأس أو سترة محشوّة إذا احتجت إليها. في البرد أحبّ أن أشعر بشيء من البرودة عند الخروج؛ أعرف أن الركض سيتولّى الباقي.
بعد الإحماء أشعر بالراحة. أما إذا بالغت في الملابس، أتعرّق كثيرًا ثم أبرد حين أهدأ. ميزان صغير أتعلّم ضبطه مع التجربة.
أما الألوان، فأفضّل الزاهي منها، بل الفسفوري الصارخ. ليست المسألة ذوقًا أو أناقة؛ أريد أن يراني السائقون وراكبو الدراجات بوضوح، في الظلام وفي الطبيعة وفي المدينة. البرتقالي والوردي والليموني الفاقع وسائل لجعل التدريب أكثر أمانًا.
وهذه ليست نهاية القائمة، لكنها كثيرة بما يكفي. لذلك خصّصت رفًّا في البيت للقمصان والسراويل الضيّقة والجوارب الرياضية وسائر الأغراض. وبالمناسبة، ملابس هذا الرف هي الأكثر زيارة للغسالة.
مسارات غير مألوفة قرب البيت
تكرار المسار نفسه ليس ممتعًا. المضمار مريح من حيث الأرضية، بلا ارتفاعات، ويمكن التوقّف والعودة في أي لحظة. لكنه مملّ قليلًا لمن يحبّ الاستكشاف والحياة.
أغيّر المسار قليلًا، ثم أزيد المسافة، فتظهر حول بيتي شبكة من الطرق التي أعرفها بقدميّ. أذهب أبعد، وأجرّب منعطفًا لم أسلكه، فأجد باحة أو شارعًا أو جسرًا أو ممرًّا جديدًا. المدينة هي نفسها، لكن خريطتي لها تتغيّر.
سرعان ما كوّنت مسارات أعرف تقريبًا مسافتها والوقت الذي سأغيب فيه عن البيت. وكم اكتشفت من تفاصيل! ممرات خفية، وباحات صغيرة، ومبانٍ لم أنتبه إليها، وواجهات غير مألوفة. في دبي كما في المدن التي أزورها، يعيد الركض فتح الأماكن التي كنت أحسبني أعرفها.
حتى الحديقة القريبة من البيت لا نعرفها بالضرورة. نعرف ممرّاتها الرئيسية المريحة والمزدحمة. ثم نركض داخلها قليلًا، فنجد دروبًا ومداخل ومخارج لم نلحظها، وطيورًا وحيوانات لم نرها من قبل، ومشهدًا جديدًا وراء كل انعطاف.
وأحيانًا يكفي أن نقف في زاوية أخرى لنرى مبنى مألوفًا كأننا نراه أول مرة.
أثناء الركض تتغيّر الصورة أمامك كثيرًا في وقت قصير. ترى أشجارًا وبيوتًا وطيورًا وأحواض زهور وممرات أكثر. وفي الأماكن التي تعيش فيها السناجب، تراها أيضًا. كل ذلك يعني انطباعات واكتشافات أكثر.
كلما ركضت أكثر، جمعت انطباعات أكثر.
حديقة عبر الفصول
قبل حياتي في دبي، عشت فترة بجوار حديقة في بلد بارد، وبدأت فيها بعض جولاتي الأولى. كان المسار يبدأ بانحدار طويل لطيف يقارب كيلومترًا، يمرّ بمسرح الحديقة وعلى حافة تلّة، ثم يلتفّ عبر جدول إلى طريق ترابي بين الأشجار وملاعب الأطفال. يتفرّع بعد ذلك إلى ممرّ معبّد واسع يستخدمه المشاة بعربات الأطفال، وينتهي عند بوابة الطرف الآخر. أستدير وأعود قليلًا، ثم أنعطف إلى درب ضيّق بمحاذاة بحيرة يصعد ويهبط فوق تلال صغيرة كثيرة. أعبر الجدول الذي يغذّي البحيرة، وأصل إلى ساحة مستوية لتمشية الكلاب، ثم أرجع عبر أشجار البتولا. نحو ٦ كم للدورة، ولذلك كانت أغلب جولاتي تدور حول هذه المسافة.
كنت أرى الحديقة من نافذة الشقة وأراقب تبدّلها على مدار العام. لكن النزول إليها شيء آخر. بدأت أدخلها بجسمي كل يوم تقريبًا، لا أن أتفرّج عليها من أعلى. فرق لا تشرحه النافذة.
بدأت هناك في الصيف، حين كانت الحديقة حيّة وظليلة وجافّة. ثم اصفرّت الأوراق تدريجيًا، وطالت مسافاتي، وصرت أتابع تبدّل الطبيعة الهادئ. كان الركض بين الأوراق المتساقطة ومراقبة السناجب والبطّ جميلًا جدًا. وانكشفت الأشجار شيئًا فشيئًا، إلى أن جاء يوم لم أستطع فيه بدء التمرين: غطّت المنحدر اللطيف قشرة جليد رقيقة ملساء، فتباعدت قدماي فوقها. بعد انزلاق ٢٠–٣٠ م قرّرت ألّا أختبر حظّي، وذهبت لشراء حذاء شتوي. هكذا امتلكت أول Nike Lunarglide Flash مقاوم للماء، بدا لي يومها أنه يمسك الجليد كما يمسك الأسفلت. وفي اليوم التالي استمتعت بتجاوز المشاة المنزلقين من دون أن أبطئ كثيرًا.
ثم غطّى الثلج الحديقة واشتدّ الصقيع، فضاقت خيارات المسارات. لم أستطع دائمًا إكمال الحلقة والعودة إلى بدايتها، لكن الغابة الشتوية كانت جميلة ونقيّة إلى حدّ مذهل. حذاء زاهٍ فوق ثلج أبيض، وأغصان محمّلة به تتدلّى فوقي. كنت أجمع الكيلومترات وأنا أعرف أنني ما كنت لأرى هذا لولا عادة الركض.
ثم يأتي الربيع. أتفادى البرك، وأرى أول زهرة، وأول ورقة، وأول نحلة أو فراشة. أعود إلى الأطفال بأخبار هذه الاكتشافات. كنت مبعوث الربيع إلى البيت.
كثيرًا ما نقول إننا نريد الاقتراب من الطبيعة. لكننا نعبر الطرق المعبّدة بالسيارة أسرع من أن نلاحظ تبدّل الفصول، أو نمشي إلى أقرب محطة مسافة أقصر من أن تكشف التفاصيل. أما الركض في الحدائق وعلى ضفاف الأنهار، وفي الساحات والباحات البعيدة عن البيت، فيوسّع نظرتنا إلى العالم ويترك إحساسًا لا يُنسى.
إذا ركضت كل يوم، بقي من كل يوم شيء في الذاكرة وفي سجلّ التمارين.
معالم المدن
كلما ركضت أكثر رأيت أكثر. من متع الركض الكبرى اكتشاف معالم العالم من زاوية غير متوقّعة.
يرسم منظّمو كثير من سباقات المدن المسار ليعرضوا أجمل ما فيها. واحد وعشرون كيلومترًا أو اثنان وأربعون تكفي لجولة واسعة في العمارة والشوارع والمعالم. أن ترى لندن أو برلين أو سانت بطرسبرغ أو برشلونة بهذه الطريقة، في يوم واحد، تجربة سياحية لا تشبه غيرها.
وخارج السباقات أيضًا تستطيع ابتكار رحلة فريدة، تمنحك مشاهد نادرة لا تشبه غيرها، كأنها من فيلم. كثيرًا ما شعرت وأنا أركض بأنني داخل فيلم، وأن ما يحيط بي ديكور واقعي إلى حد مذهل.
قبل عامي مع الركض بسنتين، سافرت إلى التبت لأقوم برحلة الكورا، أي الدوران سيرًا حول جبل كايلاش. كان برنامج مجموعتنا السياحية الصغيرة أن نطير عبر غوانغجو إلى لاسا، عاصمة التبت، ثم نتابع بالحافلة إلى كايلاش. لكن لاسا نفسها مدينة مدهشة: مدينة قديمة قرأت عنها كثيرًا، وحلمت برؤية قصر بوتالا فيها، مقر الدالاي لاما. ذلك القصر الذي عرفته من فيلم «سبع سنوات في التبت» مع براد بيت.
تقع لاسا على ارتفاع نحو ٣٦٥٠ م فوق البحر. ومن لم يعتد هذا الارتفاع يجد التنفّس صعبًا. إن كنت عرضة لداء المرتفعات، فقد تشعر به من لحظة النزول من الطائرة: طنين في الرأس، وتعب بعد خطوات قليلة، ورغبة في التقاط الأنفاس. تتحرّك ببطء كأنك داخل الماء، مع إحساس قريب من السكر.
ومع الوقت يبدأ التأقلم. كنت أحاول فهم ما يحدث للدم والقلب في هذا الهواء الخفيف، وأنتظر أن تخفّ مشقّة الحركة. ثم أنظر حولي فأرى أطفالًا وكبارًا في السن وتجارًا يمضون في يوم عادي. إذن يمكن العيش هنا؛ المشكلة في الوافد الجديد الذي أحضره معي، أي جسمي. عليّ أن أصبر عليه.
في الليلة الأولى أصابني الصداع، وصعب النوم. أصوات الشارع غير مألوفة، والأحلام مضطربة، والنَّفَس ضيّق. ومع ذلك كنت سعيدًا ومشدوهًا: أنا فعلًا في هذا المكان الذي قرأت عنه طويلًا.
قرابة السادسة صباحًا ارتديت حذائي، وراجعت الخريطة، وانطلقت للقاء قصر بوتالا. كانت المدينة نائمة والسيارات قليلة. ركضت في شارع قديم وتخيلت قوافل الياك التي مرّت هنا. على هذا الارتفاع، وفي الهواء الخفيف، بدت الألوان أشد سطوعًا: الأصفر أكثر اصفرارًا مما أعرفه عند البحر، والأزرق أعمق زرقة على نحو لا يُصدق.
اضطررت، للأسف، إلى التوقّف والمشي مرات كثيرة لشدة ضيق النفس. مررت بشرطي يشعر بالملل وبأوائل العمّال المسرعين إلى أشغالهم. ولاحظت التبتيين يستمعون إلى الموسيقى من مكبّرات كبيرة، ويتحلّقون حولها أو يجلسون قربها على المقاعد، ويسجّلون رسائل صوتية بهواتفهم.
لم أحتج إلى التوهان في الأزقّة؛ اتّبعت الشارع الرئيسي حتى قصر بوتالا ورأيته في شمس الصباح. قصر مذهل! كيف بُني هذا الجمال على ذلك الارتفاع وسط الطبيعة القليلة النبات؟ وقفت بين المارّة المسرعين، سعيدًا بمجرّد وجودي أمام المدخل الرئيسي. واقع كأنه مشهد سينمائي.
وفي العودة رأيت الأطفال يتجمّعون أمام المدرسة بزيّهم الموحّد. يوصلهم آباؤهم، ويقبّلونهم، ويناولونهم طعام الصباح. مشهد يومي صغير، أحببته كثيرًا.
جولة قصيرة من ٥–٦ كم، وعدت إلى الفندق قبل الإفطار. كنت قد رأيت بوتالا في ضوء غير مألوف، وشاهدت الحياة اليومية والشرطة والتجّار، بينما كان رفاقي ينظّفون أسنانهم في غرف الفندق. شعرت بأنني رائد صغير، مستكشف مجموعتنا. مجرّد ركض؟ نعم، لكن معه مذاق خاص للحياة لا أصل إليه إلا بالركض.
زرنا القصر في جولة في ذلك اليوم، ودخلناه وصعدنا إلى أسواره. كانت زيارة رائعة، لكن من دون مشهد الصباح كان سينقصها شيء. وهذا المشهد كان لي وحدي.