→ الفهرس

٠٥ / ١٦

مايو

الارتفاع والخطوات والتنفس، حين تصبح الحركة أكثر ألفة.

٩ دقيقة · ١٦٣٣ كلمة

مايو

داء المرتفعات والركض

مع الركض دخلت حياتي كلمة جديدة: VO₂max. رقم لم أكن قد سمعت به، ثم صرت أراقبه باهتمام شديد.

بدأت أستخدم ساعة Garmin، فرأيت أمامي مؤشرات كثيرة. بعضها يظهر فورًا، كالنبض، وبعضها يحتاج إلى وقت قبل أن يحضر في التطبيق. ثم ظهر VO₂max: ثمان وأربعون. هل أفرح أم أقلق؟ لم أكن أعرف. وبعد شهر من الركض اليومي صار اثنتين وخمسين، فقرّرت أن الزيادة خبر سار، وأن الوقت حان لأفهم ما الذي أفرح به.

شدّني الموضوع، واكتشفت أن لي معرفة سابقة بجانب منه، من الجبال.

حين تصعد الجبال وتتجاوز ٣٠٠٠ م، قد تتعرّف إلى داء المرتفعات: نقص الأكسجة الناتج عن الهواء المخلخل. يصل إلى الدم مع كل نفس أكسجين أقلّ، فتتنفّس أسرع، ومع ذلك قد يعاني الجسم من النقص: صداع وغثيان ودوار وتشوش. كنت أفهم العملية على النحو التالي: تزداد لزوجة الدم وعدد كرياته الحمراء والضغط، ويتأثّر وصول الدم إلى الشعيرات والأعضاء، فتشمل المشكلة الجسم كلّه. ثم يتكيّف الجسم مع الوقت، ويتغيّر الدم ويزداد الهيموغلوبين، فيتحسّن التعامل مع نقص الأكسجين. ويبدو أن الجسم «يتذكّر» التجربة، فتكون الرحلة الثانية أو الثالثة أيسر من الأولى، والتأقلم أسرع وأقلّ إيلامًا. لذلك نصعد على مراحل، ونبيت على ارتفاع معيّن كي يعتاده الجسم، ثم نصعد ونبيت من جديد.

كلما صعدت اشتدّ العناء. عند معسكر قاعدة إيفرست، على ارتفاع ٥٣٤٠ مترًا، يصبح ما يتاح للجسم من الأكسجين أقلّ بكثير مما اعتاده قرب سطح البحر. وفوق خمسة آلاف متر ترى متسلّقين يستعينون بالأسطوانات. تخطو بضع خطوات، ثم تقف لتلتقط أنفاسك، ثم تعاود.

لكن ليس كل المتسلّقين يستخدمون الأكسجين الإضافي. بعضهم يأتي بالأسطوانات ويحملها، وبعضهم يستطيع التكيّف مع نقص الأكسجين. قرأت عن المتسلّق الأمريكي إد فيستورس، الذي صعد القمم الأربع عشرة التي يتجاوز ارتفاعها ٨٠٠٠ م. جسم استثنائي ورثه عن والديه، هدية ثمينة. صعد من دون أسطوانات أكسجين، يا لحظّه! استطاع جسمه تدبّر الأمر، ولا بدّ أن كثيرين يغبطونه.

والشعوب التي تعيش في الجبال العالية، مثل التبتيين وشيربا نيبال، أكثر تكيّفًا مع هذه الظروف. يتنفسون بسرعة أكبر، ولا يتغير تركيز دمهم عند الصعود بالطريقة نفسها. يعتادون منذ الصغر الحياة مع قلة الأكسجين المتاح. لذلك يستطيع حمّالو الشيربا الاستمرار طويلًا من دون أسطوانات، وهم في حال مقبولة.

بوجه عام، تتأثر القدرة على تحمّل نقص الأكسجين كثيرًا بالاستعداد الوراثي. ويمكن تطويرها، مثل قدرات أخرى، لكن لكل منا سقفًا ترتبط بعض حدوده بما وُلد به.

وفي الركض يرتبط VO₂max بقدرتنا على استهلاك الأكسجين، وبشيء من استعدادنا الرياضي. للوراثة نصيب من الحكاية؛ لا نختار الأوراق التي نبدأ بها. لكن التدريب يساعدنا على الاستفادة مما لدينا والاقتراب من حدودنا.

وبالمناسبة، يُقرأ الرمز VO₂max هكذا: الحرف V يدل على الحجم، وO₂ على الأكسجين، وmax على الحد الأقصى. أي الحد الأقصى لحجم الأكسجين المستهلك.

حكايتي مع VO₂max

يستحقّ هذا الرقم وقفة. إنه الحدّ الأقصى لاستهلاك الأكسجين، ويُعبَّر عنه بعدد الملّيلترات التي يستهلكها الجسم في الدقيقة، لكل كيلوغرام من وزنه: مل/كغ/دقيقة. كنت أتابع ارتفاعه لأرى أثر التدريب في قدرتي على الاستفادة من الأكسجين أثناء الجهد.

يبدأ كثير من الهواة برقم متواضع، ثم يرونه يرتفع مع تحسّن لياقتهم. لكن الارتفاع لا يستمرّ إلى ما لا نهاية. تأتي مرحلة يثبت فيها الرقم تقريبًا، وتحتاج الزيادة الصغيرة إلى جهد كبير وتدريب موجّه. يقترب المرء من سقفه الشخصي.

الطريقة الأوثق لمعرفة VO₂max هي قياسه في المختبر ضمن اختبار الجهد. وتقدّمه الساعات الرياضية أيضًا، لكن بوصفه تقديرًا أقل دقة؛ يفيدني في متابعة الاتجاه: هل ارتفع المؤشر مع التدريب أم انخفض؟

أما قصّتي مع الرقم فكانت كالتالي: ارتفع في الأشهر الستة الأولى من ٤٨ إلى ٥٩. وفي النصف الثاني من العام، مع زيادة الحمل، صار يتأرجح بين ٥٦ و٥٨. كان ينخفض كثيرًا بعد السباقات الشاقّة والسريعة، ثم يعود حين أخفّف التدريب. لعلّني اقتربت من سقفي كهاوٍ.

وقرأت أرقامًا أعلى عند رياضيين متمرّسين: فوق الستين، وصولًا إلى السبعين، وفوق الثمانين عند بعض الأولمبيين. وهناك حالات استثنائية بلغت ٨٤، بل ٩٦ مل/كغ/دقيقة. أرقام تجعلني أنظر إلى الثماني والخمسين التي عندي بشيء من التواضع.

من الوسائل التي تعلّمتها لتحسينه زيادة المسافات، ولا سيما الركض الهادئ، إلى جانب التدريب الفِتري والراحة والنوم والطعام الجيد. لكنه لا يرتفع بلا حدود. وإذا انخفض، أراجع ما فعلته: هل بالغت في الحمل؟ هل استرحت بما يكفي؟ وهل تغيّر وزني؟

وبحثت عن تمارين موجّهة لهذا الغرض، فوجدت تمرين بيلات ٣٠–٣٠، المنسوب إلى الباحثة فيرونيك بيلات. فكرته، باختصار، تكرار ثلاثين ثانية من الركض السريع، تتبعها ثلاثون ثانية من الركض الخفيف.

ومع ذلك، يمكن الاسترخاء قليلًا وتذكّر أنه مؤشر غير مباشر. قياس VO₂max عند رياضيين مختلفين لا يحسم من الأسرع أو الأقدر على التحمّل. السباق وحده يكشف كيف استثمر كل واحد إمكاناته. رياضيو النخبة قد يحسّنون نتائجهم من دون تغيّر هذا الرقم. وقد يكون زميلك المدخّن في العمل قد وُلد باستعداد يتيح له بلوغ ٩٠، لكنه لا يستطيع ركض كيلومترين. ربما كان سيصبح بطلًا لو سارت حياته في اتجاه آخر.

دولاب يحملني إلى الأمام

في الحصص الطويلة تسرح أفكاري كما تشاء. أقطع دورة في المضمار، ثم أخرى، وأفكّر في الدوران نفسه: عجلة تدور، ودولاب فخّار يدور. في هذه الحركة شيء يسحرني.

وجدت حيلة نفسية للتعامل مع المسافات الطويلة: أتخيّل أن دولابًا هائلًا يدور تحتي ويحملني، وأن الركض ليس إلا طريقة للبقاء فوقه. يريحني أن أتخيّل أنني لا أدفع نفسي في المكان بجهد شاق، بل تحملني قوّة أخرى. وبعض دورات هذا الدولاب ألطف من غيرها: الكيلومترات السابع والحادي عشر والسابع عشر تبدو لي أسهل. لذلك أنتظرها بشوق أكبر.

أحيانًا يأتي إحساس الدوران هذا عفويًا، وأحيانًا أهيّئه مسبقًا. أبرمج نفسي على أن الدورة السابعة ستكون أيسر، وأن القوّة ستعود عند الكيلومتر السابع تحديدًا.

جرّب ولو مرّة أن تركب دولاب الركض الذي تصنعه في خيالك.

معدّل الخطوات

الفهد أسرع العدّائين على اليابسة. يسبق الجميع، وإن لم يستطع الاحتفاظ بتلك السرعة طويلًا.

قرأت عن تجربة تفسّر جانبًا من سرعته: حين يسرع يزيد عدد قفزاته، لا طول القفزة وحده. أما حيوانات سريعة أخرى، كالكلاب السلوقية، فتحاول إطالة قفزاتها، وتبقى متأخرة عنه في هذا السباق. لفتتني الفكرة، ثم عدت إلى قدميّ لأرى ماذا تفعلان.

عدد الخطوات في الدقيقة هو معدّل الخطوات، أو cadence. عند العدّاء يعني عدد مرّات ملامسة القدمين للأرض في الدقيقة. وفي هذه الفكرة الصغيرة يكمن سرّ من أسرار السرعة.

كنت أعرف هذا المعدّل، لكنني لم أعطه ما يستحقّ من اهتمام. بعد قراءة قصة الفهد، راجعت بياناتي، فوجدته في أفضل جولاتي ١٦٣ خطوة في الدقيقة تمامًا، وطول الخطوة ١٣٠–١٣٥ سم. معدّل مألوف لهاوٍ متوسّط السرعة. فلا عجب أنني لم أتقدّم أكثر. في الركض البطيء يقلّ، وفي السريع يرتفع. هذا هو السرّ.

يمكن اختصار سرعة الركض في المعادلة التالية:

سرعة الركض = متوسّط طول الخطوة × معدّل الخطوات.

أريد سرعة أكبر؟ إذن أزيد طول الخطوة، أو عدد الخطوات في الزمن نفسه، أو كليهما.

للأسف، حين حاولت الإسراع كنت أطيل الخطوة عادة. خطأ شائع: ما يصلح لعدّاء المسافات القصيرة لا يصلح بالضرورة لعدّاء الماراثون. أصبت مرّات بشدّ خفيف في أوتار المأبض، من دون مكسب كبير في السرعة الإجمالية.

يرى كثير من مدربي الركض أن معدّل الخطوات «المثالي» هو ١٨٠ خطوة في الدقيقة. في أولمبياد ١٩٨٤ لاحظ المدرب جاك دانييلز، وهو اسم يسهل تذكّره وصاحبه مدرب معروف جدًّا، أن واحدًا فقط من ٤٦ عدّاء مسافات طويلة محترفًا كان معدّله أقل قليلًا من ١٨٠، فيما تجاوز الآخرون هذا الرقم. أما الهواة فعادةً ما تكون معدلاتهم أقل.

نعرف أن أجسامنا تختلف، ومع ذلك يبقى رقم ١٨٠ مغريًا. صار عند العدّائين أشبه برقم ذهبي، يلتفتون إليه كلما تحدّثوا عن الخطوات.

تدريب معدّل الخطوات صعب وطويل ومملّ. وفي البداية يبدو مضحكًا أيضًا. كنت أركض بطريقة تبدو جميلة وطبيعية، وإن لم تكن سريعة جدًا. وفجأة صرت مضطرًا إلى تقصير الخطوات وتحريك القدمين بسرعة، كأنني أخطو بخطوات صغيرة متلاحقة.

إذا كنت لا تطارد السرعة، فقد لا تحتاج إلى هذا. أما أنا، حين أردت الإسراع، فبدأت أتدرّب على معدّل محدّد يتجاوز ١٧٠ خطوة في الدقيقة. توجد تطبيقات مثل Metronom، تنقر بانتظام، وأحاول تحريك قدميّ على إيقاعها. تقصر الخطوة، لكن يتسارع تتابعها.

الأرجح أن تطبيقك أو ساعتك يعرضان معدّل خطواتك. تنظر فتجد رقمًا بين ١٣٠ و١٦٠، أليس كذلك؟ عندئذ قد لا تستطيع الوصول فورًا إلى ١٨٠ خطوة في الدقيقة. لكن يمكنك التدرج: زيادة بنحو ٥٪ أولًا، ثم تثبيت المعدل الجديد. ومع التحسن تتعلم الركض بمعدل أعلى قليلًا، ثم أعلى، حتى تبلغ ما يناسب قدرتك.

لماذا قد يفيد ذلك؟ كنت أرى أن معدّل الخطوات المرتفع يجعل تقنية الركض أوفر للطاقة، فأقلّ تعبًا وأقدر على الحفاظ على وتيرة أفضل مدة أطول.

التدريب مع المترونوم

الركض مع المترونوم، أي ضابط الإيقاع، تجربة مختلفة تمامًا عن الركض مع الموسيقى. قد يبدو رتيبًا ومملًّا، ومن غير المرجّح أن تصبح عاشقًا لهذا التدريب.

لكن بضع جولات تكفي لالتقاط الإيقاع وسماعه داخل رأسك. وتلتقط الذاكرة العضلية الإحساس بالحركة سريعًا أيضًا.

تحدّد سرعة النقرات ومدّة التدريب، ثم تسمع الإيقاع وتحاول أن تزامن خطواتك معه. كنت أضبط المترونوم على معدّل أعلى قليلًا من أفضل جولاتي، وأحاول تسريع خطواتي وفقه.

تجربة لا تُنسى. ينقر المترونوم كالزيز بإصرار آلي لا يبالي بك ولا بسرعة ركضك. لكنك تركض أسرع بكثير.

وبعد التدريب يظلّ رأسك ينقر طويلًا، كأن ساعة وقواق سكنت فيه.

وإذا لم ترغب في سماع النقرات، فهناك موسيقى يحدَّد إيقاعها بعدد النبضات في الدقيقة، مثل ١٦٠ أو ١٧٠، على Apple Music وغيرها. لعلّ معجبيها المخلصين قليلون، لكنها مناسبة لتدريب معدّل الخطوات. أما إذا أردت ضبط الإيقاع بدقّة، فالمترونوم أسهل لي.

ولا يلزم أن تحافظ على هذا المعدل طوال الحصة، أو في كل حصة. اختر مقطعًا تلتزم فيه بمعدل الخطوات المستهدف، واركض بقية الوقت على راحتك.

لا أعرف يقينًا، لكنني أشكّ في أن كيبتشوغي يسمع الموسيقى في سماعتيه. ربما يسمع مترونومًا.

ميل إضافي

في الإنجليزية عبارة go the extra mile، أي «اقطع ميلًا إضافيًّا». يحبّها أهل الخدمة والتسويق: أن تقدّم أكثر مما وُعد به العميل. ثلاثة تصاميم بدل اثنين، أو قطعة بسكويت مع القهوة، أو عملًا يُنجز أسرع وأفضل مما توقّع. لفتة صغيرة تكسب بها قلبًا، وتسعد بها أنت أيضًا. وفي الركض أستطيع أن أفهم العبارة حرفيًّا. أخرج لعشرة كيلومترات، ثم أجد في نفسي متّسعًا لخمسمئة متر أخرى، أو لكيلومتر، أو لميل كامل، كنت أقرّبه يومها إلى ١٫٧ كم. يا لفرحة أن أفاجئ نفسي! وقد أتّفق معها مسبقًا على زيادة صغيرة: خمسون كيلومترًا هذا الأسبوع بدل ثمانية وأربعين، ثم أبلغها على الرغم من شكوكي.

المسألة ليست عدد الكيلومترات، بل الجهد الإضافي الذي تبذله. هل تستطيع تجاوز نفسك، أم ستكتفي بتنفيذ ما وعدت به؟ هل تصنع معجزة صغيرة وتترك الكسل والتسويف والتوتّر جانبًا؟

الإحساس بأنك تجاوزت نفسك هو المكافأة الجميلة لذلك الميل الإضافي الذي تمنحه لنفسك بين الحين والآخر. دلّل نفسك. وفاجئها!