الركض في الشتاء
في دبي أنتظر الشتاء لأركض. وفي بعض أسفاري أبحث عن طريقة أركض بها رغم الشتاء. الحذاء نفسه، والمشكلة معكوسة. أزور بلادًا يمتدّ فيها البرد نصف عام؛ وهناك يصبح الثلج والجليد، بل أكوام الثلج أحيانًا، جزءًا من الطريق الذي عليّ أن أتعلّم الركض عليه.
لديّ حذاء Reebok خاص أركض به وسط الثلوج مطمئنًا إلى بقاء قدميّ جافّتين. وفي عام الركض اشتريت أيضًا حذاءَي Salomon وNike ACG، أي All Conditions Gear. وكلاهما مقاوم للماء.
وأنا أحبّ الركض صباحًا. فإذا تساقط الثلج ليلًا في المدينة التي أزورها، وجدت نفسي أركض في الظلام على أرصفة لم تُنظَّف بعد. هي مسألة تعوّد، ولم أكن أراها كارثة.
لا أطمع في أرقام قياسية وأنا أركض وسط هذا البرد. إما أن أسافر إلى مكان أدفأ، وإما أن أقبل بسرعة أقل. وأنا راضٍ بالخيار الثاني. أعرف أن الشتاء ينتظرني في دبي بصورة ألطف، وأن حسابي مع الطقس هناك مؤجّل إلى الصيف.
عندما أخرج إلى شوارع مدينة متجمّدة، أشعر بأنني إنسان، بكل ما في الكلمة من عناد. كائن يستطيع تحدّي الطبيعة من دون أن يستسلم. لست نباتًا نام حتى الربيع، ولا دبًا دخل في سبات؛ أستطيع أن أقرّر ما أفعله بالشتاء والبرد. لا أحتاج إلى الشمس كي أثق بنفسي، فشمسي في داخلي. إنها المحرّك الذي يدفعني فوق الجليد وعبر الثلوج، ويصنع جزيرة صغيرة من الدفء في ذلك العالم البارد. وهذا الدفء يكفيني. أفخر بقدرة الإنسان على العناد والسعادة في شتّى الظروف. إنه اختبار للإرادة والثبات، ويسعدني أنني أجتازه.
في هذه الرحلات الشتوية تصبح التجهيزات مهمّة فعلًا. أتابع درجة الحرارة وأحاول أن أفهم استجابة جسمي لها. أرتدي طبقة حرارية تحت الملابس الرياضية، وقبعة وحذاءً مقاومًا للماء. وأستخدم أوشحة Buff الأنبوبية. حين تنخفض الحرارة إلى أقلّ من -٢٠°م، أسحب الوشاح فوق أنفي؛ كنت أفعل ذلك اعتقادًا بأنه يحميني من الهواء القارس. وبنهاية الجولة يتصلّب الوشاح على نحو طريف. وإذا ارتفعت الرطوبة، يغطي الصقيع الأبيض حاجبيّ ورموشي. منظر رائع للصور.
للشركات تصوّرات مختلفة عن ملابس الركض الشتوية. بعضها يبيع أطقمًا مخصّصة لدرجات حرارة محدّدة، وبعضها يعتمد الطبقات: قطعًا تُلبس منفردة أو مجتمعة. Nike تتبع فكرة الطبقات، وأنا أحبّها. طبقة داخلية، وملابس من الفليس، وسترات إضافية خفيفة أو معزولة. بحسب الحرارة، يمكن ارتداء ٢ أو ٣ أو ٤ طبقات والشعور بالراحة.
وجهي أقدر على تحمّل البرد؛ اعتاد أن يبقى مكشوفًا حين أخرج. أما أطراف يديّ وقدميّ فتبرد أسرع، إذ يصل إليها دم أقل. لذلك قد أرتدي زوجين من القفّازات، واحدًا فوق الآخر.
على الجليد يمكن أن أنزلق، أو أسقط، أو ألوي قدمي. لذلك أنشغل بموضع الخطوة أكثر مما أنشغل بسرعتي. حتى الحذاء الجيد لا يعصمني من الانزلاق. الرقم الذي يهمّني هنا هو عدد الإصابات: أريده صفرًا.
العدّاؤون الكبار لا يتدرّبون دائمًا على أرض مثالية، بل على مسارات صعبة تقاوم خطواتهم: طين ووحل وأرض يصعب عليها تحريك القدمين. وهكذا يدرّبون التناسق وقوّة الساقين. حين أجد نفسي في بلد ثلجي، أحاول الاستفادة من صعوبة المسار. وعندما يأتي وقت النتائج، يبدو الركض أسهل.
للشتاء، إذن، متعته في الركض. أما شتاء دبي فلا يحتاج أصلًا إلى مرافعة منّي.
وقت التدريب
قرأت أن الأفضل أن تتمرّن في الوقت نفسه من اليوم الذي سينطلق فيه سباقك الفعلي. فكرة منطقية. معظم السباقات التي شاركت فيها تبدأ صباحًا، وأنا أصلًا أفضّل الركض قبل الإفطار.
أحبّ أن أرى المدينة تستيقظ: سيارات قليلة، ومشاة أقل، وشوارع أستطيع الركض فيها من دون أن أزاحم أحدًا. ثم أعود وقد أنجزت شيئًا لنفسي قبل أن يبدأ اليوم بطلباته. لا تبقى الحصة معلّقة في رأسي حتى المساء.
أما حين يأتي حرّ الصيف، فيصعب الركض. يفقد الجسم سوائل كثيرة، وتوجد مخاطر ضربة الشمس. لم أصل شخصيًا إلى تلك المرحلة، لكنني أحاول في الصيف الخروج مبكرًا قدر الإمكان، قبل أن تصبح الشمس خصمي. وفي دبي لا يعني الصباح المبكر أن الحرّ اختفى؛ إنما أحاول اختيار الوقت الأقلّ قسوة.
في المساء أكون متعبًا عادة، لذلك أقلّل التمارين المسائية. وأظلّ طوال النهار أفكّر في الوقت الذي يمضي وفي الدَّين الذي لم أسدّده بعد. فقد أصبح الركض عادة يومية، واليوم يظلّ ناقصًا حتى أركض. حمل هذا الشعور من الصباح إلى المساء متعب.
لكن بعض أصدقائي يفضّلون الركض مساءً: يختمون به يومهم، ثم يستحمّون ويجلسون إلى مسلسل يحبّونه قبل النوم. أفهمهم جيدًا. بل إنني، لسبب لا أعرفه، أركض مساءً أسرع مما أركض صباحًا. للمساء حججه أيضًا.
المهم أن يحدث التمرين أصلًا؛ أما الصباح أو الظهر أو المساء فمسألة تفضيل وظروف. وهناك سباقات ليلية أيضًا، وما أجملها!
التدريبات على جهاز المشي
أفضّل، بالطبع، أن تكون الأرض تحت قدميّ: إسفلت الشارع أو مضمار الملعب.
لكن للظروف أحكامها. في الرحلات الشتوية، يريحني جهاز المشي من متابعة الجليد وتنظيف الأرصفة وتجهيزات البرد. وفي دبي، تؤدّي الصالة المكيّفة دور الملجأ من حرّ الصيف. والفكرة ليست سيئة: أضبط السرعة، وأشغّل الموسيقى، وأكمل الكيلومترات المطلوبة.
ميزة الصالة أنني لا أحتاج إلى مراقبة الطريق: لا إشارات مرور، ولا حفر أو أرصفة، ولا كلاب أو مستخدمي سكوتر. أركض بانتظام وبسرعة شبه ثابتة، وأعتمد على بيانات الجهاز. أعرف هل قطعت ٢ أم ٤ كم، وأعرف الوقت، وأستطيع التوقّف متى شئت. لذلك يمكنني الركض من دون استخدام الهاتف للتسجيل.
وله ميزة أخرى: إذا عزمت على عشرة كيلومترات ثم اكتفيت بخمسة، وهذا يحدث، فلن تحتاج إلى سيارة أجرة تعيدك إلى البيت. تضغط زرّ التوقّف وتمشي إلى غرفة تبديل الملابس. انسحاب قليل التكاليف.
لا يمنحني الجهاز كل ما أجده في الركض خارجًا، لكنه بديل مناسب حين يسوء الطقس.
وأحبّ فيه إمكان تغيير الميل. فمن اعتاد أرضًا مستوية ثم دخل سباقًا على تلال سيكتشف سريعًا أن ساقيه لا تعرفان هذه اللغة: تقلّ سرعته ويأتي التعب أبكر. اختلاف التضاريس جزء من تجربة العدّاء، والتدرّب على الصعود مهم. يتيح لي الجهاز أن أضيف مرتفعًا إلى الطريق، ولو ظللت في مكاني.
موسيقى
حين تقضي ساعات في الركض، قد يتسلّل الملل. فتضع السماعتين وتفتح بابًا على عالم آخر.
أستمع إلى الموسيقى والكتب الصوتية. في Apple Music أتنقّل بين قوائم جاهزة، مثل Nike Training، وأخرى أجمعها بنفسي. عندي Fast Run للركض السريع، وSlow Run للهادئ، وقائمة للماراثون، وغيرها. لكل جولة مزاجها.
قائمة Fast Run تشعل حماستي. ليست أغانيها كلّها سريعة الإيقاع، لكن حين أسمع لحنًا أحبّه أشعر بأنني لا أستطيع خذلانه، فأُسرع كأنني أساند الفنّان. الروح تغنّي، والساقان تلتهمان الكيلومترات.
أما Slow Run فموسيقاها هادئة. لا تدفعني إلى السرعة، بل تساعدني على الاحتفاظ بمزاج رائق والركض مبتسمًا. وهي ممتازة لمسافة طويلة بنبض منخفض.
ثم اكتشفت قوائم الأغاني الأكثر استماعًا في بلدان ومدن مختلفة. اكتشاف ممتع فعلًا! بدا أن كثيرًا من المدن لا يكاد يظهر في قوائمها شيء محلّي، بل أغنيات عالمية، أمريكية أو أوروبية غالبًا. لكن ليس كل المدن، لحسن الحظ. أعجبتني قوائم بوغوتا وساو باولو وليما، وكذلك نيروبي ولاغوس وكيب تاون. إيقاعات مختلفة وأصوات غير متوقّعة تشجّعني على الركض. وإذا لم تعجبك قوائم المدن، فجرّب قوائم البلدان.
إنها رحلة صوتية صغيرة. تختار بلدًا تريد زيارته، أو تتذكّر رحلة قمت بها، وتستمع إلى موسيقاه. نادرًا ما كنت أختار قوائم ألمانيا أو فرنسا أو بولندا؛ كنت أميل إلى البلدان الأبعد عن مألوفي، وإن لم ألتزم بذلك دائمًا. أعود من الركض وأقول لزوجتي إنني ركضت اليوم على موسيقى كولومبيا أو باراغواي أو كينيا أو اليابان. هذا يغيّر إيقاع الحياة المعتاد. ومن الجميل أيضًا سماع أغانٍ بالسواحيلية أو الماراثية، لا بالإنجليزية أو الروسية فقط.
وطبعًا أرشّح قوائم كينيا؛ هناك يعيش بعض أفضل عدّائي العالم. وأحبّ أن أظنّ أن للموسيقى التي يسمعونها يدًا في نتائجهم. أغاني نيروبي حيوية وإيقاعها رائع.
أما قائمة بوتسوانا فكانت مختلفة تمامًا. كنت قد قرأت عن قلّة الفساد فيها، وعن تجنّبها الحروب الأهلية منذ الاستقلال، ونموّ اقتصادها، وتقديمها مثالًا على نجاح دولة أفريقية. لذلك أثار فضولي أن أعرف ما الموسيقى التي يسمعها أهلها.
حين تسمع قوائم البلدان، تلاحظ اختلاف الناس وأذواقهم: ألحان هادئة، أو أغنيات حماسية، وروك وبوب وتكنو. أما قائمة بوتسوانا، فبدت لي كأن الجميع فيها متّفقون على ذوق واحد. كأن منسّقًا موسيقيًا واحدًا أعدّها وفق مزاجه، فلا تكاد تلاحظ الانتقال من أغنية إلى أخرى. من الناحية الموسيقية، بدا لي سكان الأرض كلّهم مختلفين، إلا أهل بوتسوانا! والركض على موسيقاهم رائع.
هكذا أطوف بقوائم الأغاني حول العالم. وكلما صادفت أغنية أحببتها، أضفتها إلى قائمتي.
كتب صوتية
أما الكتب، فلا أصلح أثناء الركض قارئًا لأثقل كتب الإدارة والأعمال. نصف انتباهي للطريق: سيارة هنا، وحفرة هناك، وخطوة قد تُعثرني. تضيع منّي الأفكار المركّبة. أجد متعتي أكثر في حكايات الشركات، مثل Netflix وGoldman Sachs، وقد استمعت أيضًا إلى «البجعة السوداء» لنسيم طالب.
وتناسبني كتب العلوم الموجّهة للقارئ العام. استمعت مثلًا إلى Darwin Comes to Town، وعنوانه يعني «داروين يأتي إلى المدينة». يحكي كيف تتكيّف الكائنات مع المدن، وتتطوّر، وتجد لنفسها مواضع جديدة للحياة. رفيق مناسب تمامًا لمن يركض في الشوارع.
وأعجبني «البنادق والجراثيم والفولاذ»، عن أسباب تفوّق مجتمعات، خصوصًا في أوروبا وآسيا، واستعمارها أفريقيا وأمريكا وأستراليا، لا العكس. واستمعت أيضًا إلى برامج صوتية أدبية، وسرد تاريخي، وخيال علمي. ومن اكتشافاتي سلسلة «هايبريون» لدان سيمونز و«مارتن إيدن» لجاك لندن. استمعت إلى أعمال بيليفين كلّها، واكتشفت بدهشة الخيال العلمي الصيني المذهل لليو تسي شين. لو لم أنجز شيئًا آخر، لكفى هذا وحده سببًا للركض.
لا أركض بسرعة وأنا أستمع إلى كتاب صوتي. هذه الصحبة تناسب ركضًا هادئًا منتظمًا، وهذا ممتاز؛ فهي توسّع الأفق على نحو مدهش. قال المتنبي: «وخير جليس في الزمان كتاب». صار جليسي يركض معي، ومن حسن حظّه أنه لا يحتاج إلى حذاء.٢
قبل مشاهدة «كثيب»، قرّرت الاستماع إلى الرواية التي اقتُبس منها الفيلم. ولأنني ركضت كثيرًا في ذلك الأسبوع، أنهيت الكتاب في الوقت المناسب. وكان قرارًا صائبًا؛ من دونه لفاتني فهم أشياء كثيرة. هكذا صرت، بفضل الركض، أشاهد الأفلام على نحو أفضل.
فيديو
نعم، يمكن مشاهدة الأفلام والمسلسلات أثناء الركض. لكن ليس في الشارع، بالطبع.
في الصالة، جهاز المشي يتابع السرعة والمسافة، فأعرف ما قطعته وكيف ركضت. لذلك لا أحتاج إلى الهاتف لتسجيل إحصاءات التمرين.
أضع الهاتف أمامي على رف الجهاز، وأصل السماعتين، وأشغّل شيئًا على Netflix. ثمانية كيلومترات أو عشرة تكفي عادة لحلقة. وهكذا لا تفوتني المسلسلات، ولا تفوتني الحصة. من قال إن متابعة الثقافة لا تحتاج إلى لياقة؟
حين يرسم التمرين مشطًا
قرأت كتاب هاروكي موراكامي «ما أتحدّث عنه حين أتحدّث عن الركض». ليس دليلًا تدريبيًا، بل أدب سيرة ذاتية، يروي فيه حكايات كثيرة عن الركض. ومع أنه ليس كتابًا رياضيًا بالمعنى المباشر، فقد أسهم كثيرًا في انتشار الركض بين الهواة. يقول موراكامي إنه يفخر بكونه رجلًا لا يتوقّف: يركض المسافة كاملة، مهما طالت. رأيت في ذلك شيئًا ينسجم مع تصوّري عن الطبع الياباني. واليابانيون عدّاؤون رائعون، حقّقوا أرقامًا قياسية كثيرة. ربما كان لإصرارهم على عدم التوقّف دور في ذلك.
أما أنا، فلا أستطيع. في السباق الرسمي أحاول ألّا أتوقّف، لكن أثناء التدريب، لمَ لا؟ إذا طلب الجسم ذلك، فالأجدر أن أصغي إليه.
يعرض Garmin سرعتي خلال التمرين، لا متوسّط كل كيلومتر أو ميل فحسب. وحين قارنت الرسوم مع أصدقائي، لاحظت أنهم يحاولون غالبًا الثبات على وتيرة واحدة. لا بأس بذلك، لكنه ليس ما أفعله أنا.
كثيرًا، لا دائمًا، أركض بوتيرة متقطّعة. أركض ما أستطيع، للمدّة التي أستطيعها، بوتيرة مريحة. وحين أشعر بأن الحركة تفقد دقّتها أو أن نفسي ينقطع، أمشي أو أتوقّف. وما إن أستعيد أنفاسي حتى أعود إلى الركض، إلى أن أكمل المسافة التي حدّدتها.
وتفضحني الرسوم البيانية بوضوح. لدى أصدقائي خط يمتدّ طويلًا بسرعة متقاربة ثم يهبط. أما عندي فشيء يشبه المشط: أسنان كثيرة، ترتفع عند الركض وتهبط كلما توقّفت، حتى تقترب السرعة من الصفر.
وجدت في هذا الإيقاع ما يساعدني حين لا أكون مستعدًّا لركض متّصل. أقسّم الجهد فأقدر على إكمال المسافة. وإذا اتّفقت مع نفسي على هذه الوقفات منذ البداية، فلا داعي لأن أتهمها بالضعف كلما توقّفت. الوقفة جزء من الخطة، وليست خيانة لها.
كنت أجد أنني أقطع بهذه الطريقة مسافة أطول، مع متوسّط نبض أقل، وأحتفظ بشيء من القوّة لمقاطع الركض. أهدأ قليلًا، وينتظم النبض، ثم أشعر بأن الجسم يقول: حسنًا، أنا جاهز الآن. فأعود إلى الركض.
أحبّ هذه الأمشاط. لا أقصد التدريب الفِتري الذي يحدّد لي مسافة وسرعة عاليتين؛ أقصد مقاطع قصيرة أركضها، وأستريح قليلًا بينها، حتى أدخل في الإيقاع. لا سرّ في الأمر. أكرّر ذلك مرات كثيرة خلال الحصة الواحدة.