→ الفهرس

٠٣ / ١٦

مارس

السعادة والنبض والألم: كيف أتعلم الإصغاء إلى جسمي.

١٢ دقيقة · ٢٢٨٨ كلمة

السعادة

ينتهي التمرين، فينحسر التعب فجأة وتغمرني راحة عجيبة. كأن الجسم، بعد كل ما حمّلته، قرّر أن يكافئني بالسعادة.

أعرف إحساسًا قريبًا من هذا في الجبال. أصعد، فيقلّ الأكسجين ويصعب كل شيء، كأن الجسم مشغول بمحاولة البقاء. ثم أبدأ النزول، فيزداد الهواء الذي يصلني مع كل خطوة، وتحلّ النشوة محلّ العناء.

وبعد التمرين أشعر بشيء مشابه. أثناء الجهد الشديد تستهلك العضلات الأكسجين للحركة، وتعمل الرئتان بقوّة لاستخراجه من الهواء، والكبد على تنقية الدم من حمض اللاكتيك. هكذا كنت أتصوّر المشهد. وفجأة ينتهي الجهد: يعود النبض إلى طبيعته، وتستريح العضلات، ويكفي الأكسجين. فتأتي نشوة، كأنني ثملت بالأكسجين. تُفرَز الإندورفينات ويستقبلها الدماغ كإحساس بالسعادة. بل إن الأمر لا يقف عند الإندورفينات: هناك أبحاث عن الإندوكانابينويدات، مواد يصنعها الجسم نفسه وتنشّط مستقبلات القنّب فيه. نعم، قرأت الكلمة كما ينبغي.

يعرف العدّاؤون هذا الشعور ويتكرّر معهم. تعتاده سريعًا وتنتظر جرعتك التالية من سعادة ما بعد الركض. ولعلّ كثيرًا من الهواة يركضون من أجلها أصلًا. لن أخفي أنها مهمّة لي أيضًا؛ أشعر بتلك السعادة كل يوم. وللوصول إلى هذه النشوة بالذات، لا أحتاج إلى جلسة علاج نفسي، بل إلى حذاء ركض.

شؤون القلب

القلب عضلة لا تأخذ إجازة ما دمنا أحياء. أربع وعشرون ساعة في اليوم، سنة بعد سنة، وعقدًا بعد عقد. نهتمّ بعضلة الذراع وشكل الأرداف، وننسى أحيانًا العضلة التي تتوقّف حياتنا عليها. لعلّ مشكلتها أنها لا تظهر في المرآة.

الركض من التدريبات التي تقوّي هذه العضلة. وكغيرها من العضلات، لا ينبغي مفاجأتها بحمل هائل. الأفضل في تصوّري أن يزيد الحمل تدريجيًا، بسلاسة وثبات وانتظام، كما ندرّب سائر العضلات. وعندها يصبح القلب بطل بناء الأجسام الذي نحمله في الداخل: قويًا وقادرًا على التحمّل.

أرى أن القلب والأوعية الدموية من أكبر المستفيدين من الركض، وأن التمرين الهادئ يمنحهما فائدة كبيرة. ليس كل ما ينفعنا محتاجًا إلى استعراض القوّة.

في السباقات التي أتحدّث عنها، كان يلزم إجراء تخطيط للقلب والحصول على تصريح طبي للمشاركة في الماراثون أو نصف الماراثون. أرى هذا منطقيًا: يحاول المنظّمون تقليل احتمال أن يتحمّل شخص غير مستعدّ جهدًا يفوق قدرته. لذلك لا ألوم منظّم السباق حين يطلب شهادة طبية.

تريد قلبًا قويًّا؟ للركض دور في ذلك أيضًا. بعض التغيّرات تراها في المرآة، وبعضها يحدث في الداخل. وليس ما لا نراه أقلّ قيمة.

عن الأسود والركض الهوائي

للأسود واللبؤات عادات مختلفة قليلًا.

للأسد لبدة وكتلة جسم كبيرة، لذلك يتحمّل الحرّ بصعوبة أكبر. يقضي معظم وقته في الظل أو يتحرّك بتؤدة. قوّته كبيرة، لكنه يستخدمها قليلًا: في القتال مع أسود أخرى أو الإجهاز على الفريسة. يستطيع الركض بسرعة هائلة، لكن لوقت قصير جدًا. عدّاء مسافات قصيرة نموذجي.

أما اللبؤات فأكثر حركة. أجسامها أقلّ ضخامة ولا لبدة لها، فتتحمّل الحرّ بسهولة أكبر. وهي التي تشارك غالبًا في الصيد ومطاردة الفرائس، وفوق ذلك ترعى الأشبال. تتحرّك أكثر بكثير، ولذلك تستطيع الاستمرار مدة أطول.

أستعين بهذه الصورة لأقرّب الفرق بين الركض الهوائي واللاهوائي.

في الجهد الهوائي يستعين الجسم بالأكسجين لإنتاج الطاقة اللازمة للحركة. وفي النطاق الذي أتحدّث عنه هنا، نحو ١٢٠ إلى ١٦٠ ضربة في الدقيقة، تأتي طاقة العدّاء أساسًا من هذه العمليات. يتنفّس الجسم، ويستفيد ممّا يصله، ويواصل العمل.

أرفع نبضي قليلًا وأركض على مهل. بهذا أبني لياقتي وقدرتي على التحمّل. أستطيع الاستمرار وقتًا طويلًا؛ أما السرعة، فليست غايتي في هذه الحصة.

بهذا تبني رصيدًا لسباقاتك السريعة القادمة: تطوّر قدرتك الهوائية شيئًا فشيئًا، كيلومترًا بعد كيلومتر، وتراكم التحمّل. سأسمّي هذا «ركض اللبؤة»، ليسهل تذكّره.

الجري اللاهوائي

اندفاعة قصيرة بأقصى سرعة: هذا حمل لاهوائي، أي يعتمد على إنتاج الطاقة دون الأكسجين. طبعًا نستمرّ في التنفّس، لكن الأكسجين الداخل لا يكفي لتغطية الطاقة التي ننفقها. تعمل العضلات فترة على مخزونها السابق. ننفق الآن، لكننا سنحتاج لاحقًا إلى التعويض. هذا ما أصفه هنا بـ«الدَّين الأكسجيني»: أبذل الطاقة الآن وأستعيدها لاحقًا. أحتاج إلى استعادة أنفاسي وإمداد الخلايا بالأكسجين والراحة. وبعد جهد طويل بهذا الأسلوب قد يستغرق التعافي أيامًا.

أما التدريب اللاهوائي فيعلّمني تحمّل الجهد الشديد مدة أطول.

وهنا يبدأ الجزء الشاق. في الحصص التي أقصدها أبذل جهدًا عاليًا ويصعد نبضي كثيرًا. وفي نطاق يقارب ١٦٠ إلى ١٨٠ ضربة في الدقيقة تعمل الآليتان الهوائية واللاهوائية معًا؛ وكلما اشتدّ الجهد زاد اعتمادي على الثانية. هذه الأرقام جزء من الصورة التي تعلّمت بها، وليست حدودًا واحدة لقلوب الناس جميعًا.

لتطوير القدرات اللاهوائية تُستخدم التمارين الفِترية والركض المتدرّج، وسأعود إليهما لاحقًا. هذه القدرات تمنح السرعة. وستريد السرعة حتمًا، صدّقني.

وأجد أحيانًا ما يوقظ الأسد فيّ من دون خطة تدريبية: درّاجة تسبقني، أو سكوتر كهربائي يمرّ بجانبي. وفي المدن التي أزورها قد يكون المنافس ترامًا أو حافلة، بل قاربًا يسير بمحاذاة النهر. أعرف أن لبعضها محرّكًا وأن فرصتي ضعيفة. لكنني أحاول مجاراتها مسافة قصيرة، وربما تجاوزها. أشغّل «وضع الأسد» وأنطلق أسرع مما اعتدت.

شعور لا يُصدَّق حين تتجاوز راكب درّاجة وتظلّ أمام رفيق الطريق المندهش ١٠٠ أو ٢٠٠ متر، وربما أكثر. أحبّ تشغيل وضع الأسد.

وحين تنتهي الاندفاعة ولا أعود قادرًا على مواصلة تلك السرعة، أحاول ألّا أتوقّف تمامًا. أخفّف السرعة وأواصل قليلًا، مستعيدًا أنفاسي وأنا أركض.

الألم والمعاناة

في البداية لم أهتمّ إلا بانتظام التدريب وتجنّب الإصابة. كان تصوّري أنني إذا لم أستعجل النتائج، ولم أطارد السرعة والمسافة، فسيتعوّد الجسم تدريجيًا من دون انهيارات، ويخفّ الألم والعناء.

بعد أن ترسّخت العادة، جاء وقت التفكير في تنظيم الحصص نفسها.

الركض بنبض منخفض هو الأساس الذي يتحدّث عنه المدرّبون ويبني عليه ملايين العدّائين تدريباتهم. قلت لنفسي إنه يستحقّ التجربة. فالجهد الشديد الذي لا أحتمله قد يضرّني، ولا حاجة إلى ذلك. أريد تدريبًا مريحًا ذا معنى، أم معاناة بلا فائدة؟ اخترت ما يجمع المتعة والفائدة.

تقول كتب الركض جميعًا تقريبًا: لا تستعجل. يسهل أن تقرأ النصيحة، ويصعب أن تعمل بها. وسأحكي لماذا.

ثم إن تطبيقات الركض، ما إن تبدأ بالتدرّب بانتظام، تنهال عليك بالأرقام الشخصية الجديدة: أطول مسافة، وأفضل زمن لكيلومتر، ولخمسة كيلومترات، ولميل، ولعشرة كيلومترات. يصعب كبح الحماس؛ كل شيء يبدو رائعًا. تريد الانخراط في هذا السباق والركض أسرع قليلًا مما استطعت مؤخرًا، ولا سيما أنك تشعر بأن لديك القوّة.

لكن الحماس قد يجعل كل حصة أشدّ مما ينبغي. يعود ضيق النفس والنبض المتسارع وألم العضلات، كما حدث في البدايات، من دون فائدة تبرّر هذا العناء. ما كنت أتوقّعه من جسم لم يعتد الركض صار الآن علامة على خطأ في طريقتي.

حين أجلس خلف مقود السيارة، أسأل نفسي: هل سأخاطر اليوم أم سأقود بأمان؟ وجوابي دائمًا أن القيادة يجب أن تكون آمنة، فلا داعي للمخاطرة. وبالمنطق نفسه، قرّرت أن أترك الألم والعناء للتمارين الخاصة، عندما أختار عن وعي أن أركض أسرع أو أبعد من السابق، أو عندما أخوض سباقًا مهمًا لاختبار مستواي. أستعدّ له تحديدًا، وأقبل مشقّته هناك، لا في كل جولة عادية.

اتفقت مع نفسي إذن: لن أحوّل كل حصة عادية إلى معاناة. ومن هنا دخلت عالم الركض بنبض منخفض، فوجدت فيه ما لم أتوقّعه من متعة.

مناطق النبض: كيف تكسب دراهم الركض وتنفقها

يتغيّر النبض مع تغيّر الجهد وحاجة الجسم إلى الأكسجين. قد يتراوح أثناء النوم، مثلًا، بين خمسين وسبعين ضربة في الدقيقة، ثم يبلغ ١٨٠ أو ٢٠٠ أو أكثر حين نركض بأقصى ما نستطيع. تختلف الأرقام بين الناس، ولا سيما الرياضيين؛ لكن هذا كان الإطار الذي بدأت به لفهم ما يحدث لشخص مثلي.

عدد ضربات القلب في الدقيقة هو ما نسمّيه معدّل ضربات القلب، أو النبض اختصارًا.

داخل هذا النطاق الواسع تتغيّر طريقة عمل الجسم مع اشتداد الجهد. نقسّمه إلى نطاقات أصغر نسمّيها مناطق النبض.

احتجت إلى وقت لأفهم هذه المناطق، ثم وجدت تشبيهًا قرّبها إليّ. لنتخيّل أن للركض اقتصادًا، له دخل ومصروف وادّخار وديون. ليست هذه محاسبة دقيقة للخلايا؛ إنها حكاية تساعدني على فهم تجربتي. فلنفتح الدفاتر.

وعملتنا فيها «دراهم الركض»: دراهم متخيّلة نكسبها وننفقها، ونجمع منها رصيدًا، أو نبدّدها بلا حساب. تشبه المال في كل ذلك، إلا في أمر واحد: لا تنفع معها البطاقة الائتمانية لشراء لياقة إضافية.

  1. تبدأ الحكاية في بيت أهلك، أو في زيارة طويلة لجدّتك. الطعام حاضر، ومن يرعاك حاضر، وأنت تستريح وتستعيد قوّتك. لا تقلق كثيرًا بشأن المال؛ فمصروف صغير يكفيك. تقرأ، وتتأمّل، وتضع الخطط. حياة مريحة، لكنك لا تبني فيها مشروعًا كبيرًا، ولا تدّخر ثروة من مصروف الجيب.

هذه هي المنطقة البيضاء، منطقة التعافي. الجسم هادئ؛ كأنك تستريح، ولو كنت تهرول ببطء شديد. وفي تشبيهي، ليست هذه مرحلة المكاسب الكبيرة، بل وقت هادئ تمضيه. لا تكسب دراهم الركض ولا تنفقها.

في هذه الحكاية المتخيّلة، هي المرحلة التي تسبق بدء «النشاط الاقتصادي» الهوائي أثناء الركض.

  1. ثم تخرج من بيت الأسرة وتبدأ إعالة نفسك. تدخل الحياة الاقتصادية وتقدّم شيئًا للمجتمع. وقد ترك لك والداك قليلًا من المال، فيكون لديك احتياط للأيام الصعبة، وإن كان صغيرًا في البداية.

في البداية لا تملك خبرة كثيرة، ولا مالًا كثيرًا. تعمل عملًا عابرًا هنا وآخر هناك، وتكفيك حصيلته للقهوة والسينما والألعاب وبعض المتع الصغيرة. تأكل ما تجده سريعًا ولذيذًا، وتشتري الحلوى لتأكلها فورًا. لا تخطّط كثيرًا ولا ترهق نفسك.

هذه هي المنطقة الزرقاء في حكايتنا. بدأ العمل الهوائي، والأكسجين المتاح يكفي حاجة الجسم المتواضعة. أتصوّر الطاقة هنا قريبة المنال، من مخزون الكربوهيدرات، أي الغليكوجين. لا أشعر بعناء كبير.

ومن المفيد أن تمكث هنا قليلًا كي يدور «النشاط الاقتصادي». لقد تجاوزت العتبة الهوائية وبدأت الركض.

تدّخر دراهم الركض قليلًا قليلًا، وتزداد ثقتك. تعلّمت كيف تكسبها بمهارة، وأصبحت مستعدًا للخطوة التالية. فلنرفع سقف الطموح!

  1. تجد في المرحلة التالية عملًا ثابتًا. يزيد دخلك ويكفي الآن لأشياء أكثر إثارة: سيارة وشقّة وعطلة. تعمل بعرق جبينك، لكن الرغبة تكبر مع النجاح. تريد المزيد وتستطيع تحقيقه، والأجمل أن مالك لا يزال يكفيك. صار تداول دراهم الركض كبيرًا: تكسب كثيرًا وتنفق كثيرًا.

وتكتشف، فوق ذلك، أن حياتك مليئة بأشياء زائدة، فتبدأ التخلّص منها، لا مجانًا. تبيع ما تراكم عندك من خردة، فتدخل إلى جيبك دراهم ركض إضافية. شيئًا فشيئًا يتغيّر البيت، تفرغ المساحات ويصبح أريح. وبثمن الأشياء القديمة تستمتع أكثر وتشتري أشياء نافعة وجميلة.

حتى أكلك يتغيّر. تقلّ الوجبات السريعة، وتختار طعامًا أنفع، ولا تأكل كل قطعة حلوى تقع في يدك. تترك شيئًا لوقت الحاجة. يبدأ الادّخار، ويكبر الاحتياط شيئًا فشيئًا.

حياة طيّبة، أليس كذلك؟ تستطيع أن تستقرّ فيها طويلًا، وأنت راضٍ عن يومك.

هذه المنطقة الخضراء، منطقة التطوير. يستهلك الجسم الأكسجين بنشاط، ويستعين لإنتاج الطاقة بالكربوهيدرات والدهون معًا. ومع إنفاق شيء من مخزون الدهون في التدريب، بدأت أنحف وأصبح أكثر تحمّلًا وأجمل في عيني نفسي. هذا ما أردته لصحّتي. إنها منطقة التقدّم المفضّلة عندي.

لكن الطموح لا يهدأ. تريد المزيد. تريد، مثلًا، أن تركض أسرع.

  1. صرت صاحب خبرة، ودخلك جيد، لكن مصروفك ازداد معه. ثم تصل إلى لحظة يتساوى فيها الاثنان تقريبًا. قد تستعين ببطاقتك الائتمانية، لكنك تسدّد في موعدك، فلا تترك الديون الصغيرة أثرًا يُذكر في حسابك.

يصعب تحديد تلك اللحظة بالفلس. كل ما تعرفه أنك تكسب بقدر ما تنفق، وتبذل جهدًا كبيرًا لتحافظ على التوازن. لا يزال الحساب منضبطًا، لكنه يحتاج إلى انتباهك الكامل. أحسنت!

رائع! وجدت عتبتك اللاهوائية.

أما الطعام، فتصبح قصّته غريبة. تعمل كثيرًا ولا تجد وقتًا للذهاب إلى المطاعم والالتزام بأكل متوازن كما ينبغي. تأكل ما تيسّر: وجبة متوازنة أو طعامًا سريعًا، وتفتح مخزونك إذا جعت فجأة. لا يهمّ ماذا، المهم أن يصل سريعًا. وما لديك لا يزال يكفي، ولكن بالكاد.

هذه المنطقة الصفراء، منطقة العتبة، وهي الأضيق. تمتدّ قليلًا قبل نقطة التوازن السحرية، العتبة اللاهوائية، وقليلًا بعدها. لذلك قد تنقلك زيادة أو نقصان ٥–١٠ ضربات في الدقيقة خارجها.

في الركض، أستفيد من هذه المنطقة للتدرّب على الوتيرة المستهدفة، وأنا قريب من الحدّ الفاصل بين الجهد الهوائي واللاهوائي.

  1. ثم تكبر أحلامك من جديد. تريد حياة أوسع، ومشتريات أغلى، ومشروعات يطيب لغرورك أن يذكرها. ولمَ لا؟ هكذا تقول لنفسك.

ويبدأ الإسراف. ما تريد إنفاقه أكبر ممّا تستطيع كسبه. تجمع أجرك الثابت وكل دخل عابر، ثم تمدّ يدك إلى ما ادّخرته في المنطقة الخضراء. وحين لا يكفي، تقترض. قليلًا أولًا، ثم أكثر، ثم أكثر.

تنفق كل شيء هنا والآن حتى ينفد الرصيد. ودراهم الركض تنفد عند الجميع عاجلًا أم آجلًا، في هذا التشبيه؛ السؤال هو متى. يستطيع العدّاء الخبير، صاحب المخزون الجيد، الاستمرار «بالدَّين» إلى ما بعد خط النهاية. أما غير الخبير فقد يفلس في منتصف المسافة ويصطدم بـ«الجدار». لا يحتاج هذا الجدار إلى بنّاء؛ يكفي أن يفرغ الحساب.

وفي حفلة الإنفاق هذه تأكل وتشرب ما يقع في يدك. الوقت قليل، فلا تتفرّغ لبيع الخردة، وإن بعت منها شيئًا بعته بأي ثمن. تأكل الطعام السريع، أي الكربوهيدرات، ووجبات المطاعم الدسمة، أي الدهون، وما تيسّر من وجبات خفيفة. ولأنك لا تجد وقتًا للتسوّق، تستهلك مؤونة البيت التي أعددتها مسبقًا: ألواح الشوكولاتة والعسل وكل ما تجده.

مرحبًا بك في المنطقة الحمراء اللاهوائية. بعد تجاوز العتبة اللاهوائية تجد نفسك في حالة غريبة: مصادر الطاقة الهوائية المعتادة لا تكفي الركض. يجمع الجسم الطاقة بكل الوسائل؛ تستمرّ العمليات الهوائية، لكن حصّتها لا تكفي. وفي الصورة المبسّطة التي أرويها هنا، تأتي الحصّة الأكبر من إنتاج الطاقة دون الأكسجين.

تتنفّس بأعمق وأسرع ما تستطيع، ويخفق القلب بعنف، ومع ذلك يتراكم اللاكتات ويبدأ ما كنت أسمّيه «تحمّض» الجسم. هكذا يتكوّن في تشبيهي «الدَّين الأكسجيني»، الذي سأحتاج إلى سداده حين أعود لاحقًا إلى المنطقة الصفراء والخضراء.

إذا كان سجلك الائتماني جيدًا، أي عملت طويلًا وبانتظام وسدّدت فواتيرك في موعدها، استطعت الاقتراض بمبالغ أكبر ولآجال أطول. أما إذا تهرّبت من العمل في المنطقة الخضراء، فالقرض قليل ومدّته قصيرة.

في فترة التبذير هذه تقترب حتمًا من الإفلاس، وأفضل ما يمكنك تعلّمه هو تأخير تلك اللحظة قدر الإمكان. أن تصمد قليلًا أطول في هذه المرحلة الطموحة.

ومع ذلك، فالركض في المنطقة الحمراء جزء مهمّ من التدريب كما فهمته. هنا أدرّب قدرتي على تحمّل اللاكتات، أو «الدَّين» في الحكاية، من خلال فترات قصيرة سريعة وتسارعات. كنت أرى أن النتائج اللافتة تحتاج إلى هذه القدرة أيضًا، ولذلك أتمرّن عليها من حين إلى آخر.

أما إذا أكثرت الإقامة في المنطقة الحمراء، فقد أفسدت سجلك الائتماني، وربما صحّتك أيضًا. والعودة إلى راحة المنطقة الخضراء لن تكون فورية؛ ستحتاج إلى وقت للتعافي وتسوية الحساب.

الحدود الشخصية

لكل شخص حدوده، وقد تتغيّر مع التدريب. وهذه، مثلًا، المناطق التي كنت أتدرّب وفقها:

  1. البيضاء، للتعافي: حتى ١٢٥ ضربة في الدقيقة. أصل إلى هذا النبض عادة بالمشي، لا بالركض.
  1. الزرقاء، الهوائية الأولى: من ١٢٦ إلى ١٥١ ضربة في الدقيقة؛ منطقة التدريب الأساسي.
  1. الخضراء، الهوائية الثانية: من ١٥٢ إلى ١٥٩ ضربة في الدقيقة؛ منطقة تطوير التحمّل.
  1. الصفراء، منطقة العتبة: ١٦٠–١٦٧ ضربة/دقيقة؛ للركض بوتيرة مستهدفة والفترات الطويلة.
  1. الحمراء، اللاهوائية: ١٦٨ ضربة/دقيقة فما فوق؛ لتدريب تحمّل اللاكتات والفترات السريعة والتسارع.

ومع ذلك، أستطيع الركض أكثر من ساعة في المنطقة الحمراء. بمرور الوقت كوّنت «سجلًا ائتمانيًا جيدًا»، وتعلّمت تحمّل فترات الإسراف هذه.

ثم خُيّل إليّ أنني أصبحت خبيرًا بنبضي: أشعر بارتفاعه أو انخفاضه، ولا أنظر إلى الساعة إلا لأتأكّد. يا لسذاجتي! هذا الإحساس يخدعني كثيرًا، فلا أطمئنّ إليه تمامًا. قد أشعر بأنني في أفضل حال، فيما يكون النبض قد ارتفع فعلًا. ومن المفيد أن أعرف ذلك في وقته.