→ الفهرس

٠٩ / ١٦

سبتمبر

رحلة من دبي إلى ماراثون موسكو: الاستعداد والقلق وخط النهاية.

١٩ دقيقة · ٣٦٢٤ كلمة

الجنس والركض

صادفت في كتاب عن الخطابة فصلًا عن الجنس في حياة الخطيب. قال صاحبه، فيما أذكر، إنه يعين على التركيز ويحسّن المزاج. فقلت لنفسي: عجيب! يمكن للمرء أن يُدخل هذا الموضوع في أي كتاب تقريبًا.

أظنّكم عرفتم لماذا أحكي هذا الآن.

في حياة المدينة يقضي كثيرون ساعات جالسين، وقد يؤثّر ركود الدورة الدموية في منطقة الحوض في الانتصاب. كنت أرى أن الركض المنتظم يغيّر الصورة تمامًا؛ حركة الدم أثناءه بدت لي رائعة. ومن هذا المنطلق اعتقدت أنه قد يساعد على الوقاية وعلى تحسين ما اختلّ.

ولعلّ هذا يكفي. لن أدخل في تفاصيل أخرى.

تمرين ياسو على المضمار

الركض على المضمار ليس غنيًا بالتنوّع، ولا يلهم الجميع. لفّات متشابهة على أرض مستوية تمامًا: أقصى درجات الراحة وأقصى درجات الملل. وحتى خريطة الجولة في الهاتف لن تكون مثيرة.

لكنه المكان الذي أستطيع فيه اختبار سرعتي بعيدًا عن كثير من معوّقات الطريق. لا صعود مفاجئ ولا إشارات مرور. إن تغلّبت على الملل، فقد أسجّل هنا أفضل زمن لي في خمسة كيلومترات أو عشرة أو واحد وعشرين.

طول اللفّة القياسية على المضمار ٤٠٠ م. وهذا يناسب تمرين ياسو ٨٠٠، وهو نوع من التدريب الفِتري يحمل اسم عدّاء الماراثون بارت ياسو.

أركض مقاطع طولها ثمانمئة متر، بسرعة أستطيع تكرارها في المقاطع كلّها، وأفصل بينها بركض خفيف للتعافي.

لفترات ياسو ٨٠٠ قاعدة طريفة: يُربط زمن المقطع بالدقائق والثواني، على سبيل الاسترشاد، بزمن الماراثون بالساعات والدقائق. مثلًا، ٣ دقائق و٤٠ ثانية لكل ٨٠٠ م قد تكون علامة لِهدف ٣ ساعات و٤٠ دقيقة في الماراثون. لكنها ليست وعدًا؛ فإتقان لفّتين وتحمل ٤٢٫٢ كم مهمّتان مختلفتان. وبين المقاطع أترك للتعافي وقتًا يقارب زمن المقطع السريع.

أبدأ عادة بمقطعين أو ثلاثة، ثم أزيد بالتدريج حتى عشرة مع تحسّن استعدادي. أختار العدد والوتيرة بحسب قدرتي وما أشعر به، لا بحسب جمال الرقم الذي أتمنّى رؤيته يوم الماراثون.

تعجبني هذه الصلة البسيطة بين دقائق المضمار وساعات الماراثون. لكنني أتعامل معها كإشارة تدريبية تقريبية، لا كتنبّؤ موثوق. الفترات السريعة وحدها لا تخبرني إن كان تحمّلي يكفي المسافة، أو كيف ستمضي التغذية والطقس والسباق. لن أعرف زمن الماراثون في ٢٠–٣٠ دقيقة؛ ما زال عليّ أن أركضه.

التمرين قصير نسبيًا، لكنه جادّ وشديد. لذلك أهتمّ بالإحماء وأركض ٢–٣ كم استعدادًا قبل الفترات.

بعد هذه المقاطع تبدو وتيرة الماراثون أيسر بكثير. أستعين بالتمرين لتطوير القوّة والقدرة الهوائية. وربما أحببت المضمار بفضله؛ حتى الملل يحتاج أحيانًا إلى فرصة ثانية.

قمصان أشتريها بنفسي

تتضمّن حقيبة المشاركة في السباقات الرسمية غالبًا قميصًا يحمل شعار الحدث. ملوّن وجميل وتذكار يسعدك. وحين ترى عدّائين كثيرين بالقميص نفسه، تشعر بأنكم جماعة واحدة كبيرة. إحساس لطيف تحبّ الدخول فيه.

لكنني أتساءل عن جودة القميص نفسه. اشتراه المنظّم بكميات كبيرة، وكان للسعر حسابه، أو قدّمه راعٍ لا يُتوقّع أن يوزّع أغلى ما عنده. الجميل كتذكار ليس بالضرورة الأفضل لأربع ساعات من الاحتكاك بجلدي.

لكن خوض سباق مهم بقميص متوسّط الجودة، في أحسن الأحوال، لا يعجبني. لذلك أرتدي عادة قميصًا اشتريته بمالي وجرّبته: أعرف أنه لا يحتكّ بجلدي، ويطرد الرطوبة، ويلائمني.

أحتفظ بقمصان السباقات وأرتديها في الحصص العادية. ويسعدني أن ألمح على عدّاء آخر قميص سباق أعرفه: «كنت هناك أيضًا!» صلة صغيرة بين غريبين لا يحتاجان إلى التعارف.

قرّرت إذن أن أمتلك على الأقلّ بضعة قمصان اشتريتها بنفسي وأثق بها بنسبة ١٠٠٪.

الحلمات

قد لا يخطر الأمر ببالك، لكن حلمات الرجال قد تتسلّخ وتنزف في المسافات الطويلة. يحتكّ القميص الصناعي بالجلد الرقيق زمنًا طويلًا. لذلك يستخدم كثير من العدّائين لاصقًا لحمايتها.

كان عندي قميص كرة قدم أحبّ شكله كثيرًا. ظلّ ممتازًا ما دمت لا أتجاوز تسعين دقيقة. وهذا طول المباراة، أليس كذلك؟ لا أعرف كيف ضبطوا الأمر، لكنه بعد ذلك يبدأ بالاحتكاك بجلدي. كأنه يرفض الوقت الإضافي.

لذلك لا أحبّ أن أجرّب قميصًا مجهولًا في نصف ماراثون أو مسافة أطول. قد أعود وعليه آثار دم بدلًا من ذكرى جميلة.

أظافر قصيرة

قاعدة صغيرة تعلّمتها سريعًا، وبالدم هذه المرة: أقصّ أظافر قدميّ بعناية قبل السباق الطويل. قد يزعجني الظفر الطويل قليلًا في حصة قصيرة، لكنه بعد نصف ماراثون يستطيع أن يجرح الجلد ويصبغ الجورب. ليست التفاصيل الصغيرة صغيرة دائمًا.

وقد يضغط الظفر على مقدّمة الحذاء فيتكسر، أو ينفصل كلّه. منظر لا أحبّ أن أتذكّره، فضلًا عن أن أكرّره.

لذلك أضع قبل السباقات الكبيرة تذكيرًا خاصًا لتقليم أظافري جيدًا، مهما بدت قصيرة أو طويلة.

التسجيل في السباق الكبير

سباق كبير في حياتك، لا طويل بالضرورة. قد يكون ٥ أو ١٠ كم، أو نصف ماراثون، أو ماراثونًا كاملًا. المهم أن يكون موعدًا يعنيك. تنظّم استعدادك لتصل إليه في أفضل حال وتحقّق نتيجة تستطيع تحسينها لاحقًا. بالنسبة إلى عامي هذا، كان موعد سبتمبر هو النقطة التي أتّجه نحوها.

عند التسجيل يُطلب الاسم والجنس والعمر والزمن المتوقع. هنا لا ينفع التواضع الزائد: أكتب الزمن الذي أطمح إليه على أساس استعدادي، لا نتيجة حصة عادية. لكنني لا أختلق لنفسي قدرة لا أملكها. قليل من الطموح، وقدمان على الأرض.

في منطقة الانطلاق يُوزَّع العدّاؤون على مجموعات بحسب الزمن المتوقّع: الأسرع أولًا، ثم الأبطأ، حتى من لا يعرفون زمنهم. إذا قلّلت من تقدير مستواك وكتبت زمنًا متواضعًا أكثر من اللازم، فقد تبدأ وسط مجموعة بطيئة وزحام يصعب تجاوزه في الكيلومترات الأولى. وتفقد ثواني أو دقائق تلوم نفسك عليها لاحقًا. فالنتيجة ٣:٥٩ تبدو أجمل بكثير من ٤:٠١، أليس كذلك؟ لهذا أتخلّى عن التواضع الزائد، والزائد فقط.

إذا كان السباق في مدينة أخرى، أختار فندقًا قريبًا قدر الإمكان من البداية والنهاية. وأنا القادم من دبي أفضّل أن أصل إلى خط الانطلاق من دون مغامرة إضافية مع المواصلات. أستطيع البقاء دقائق أطول داخل الفندق إذا كان الجو عاصفًا أو ممطرًا، وحتى إن تعذّرت سيارة الأجرة أصل بنفسي. يقول المتنبي: «تجري الرياح بما لا تشتهي السفن». أما أنا، فكانت الرياح تهبّ في وجهي كلّما غيّرت اتّجاهي. بدأت أشكّ في أنها اطّلعت على خطّة تدريبي.٤

الاستعداد للسباق الكبير

اقترب السباق الكبير. وراءنا شهور ومئات الكيلومترات، وقد نشعر بأننا جاهزون. لكن الطريق لم يُقطع بعد، ويمكن أن يحدث فيه ما لا نتوقّعه. صار الجسم يحتاج إلى الراحة كي يستفيد مما صنعناه. وكثير من السباقات التي أعرفها يُقام يوم الأحد، مراعاة للمشاركين والجمهور؛ فأرتّب أسبوعي الأخير حول ذلك الموعد.

تُسمّى الأسابيع الأخيرة قبل السباق المهم مرحلة تخفيف الحمل التدريجي، أو tapering.

يغويني أحيانًا أن أعوّض في الأيام الأخيرة ما فاتني من التدريب. لكن وقت التعويض مضى. لن أصلح أشهرًا بحصة مرهقة أخيرة؛ الأجدى أن أحفظ قوّتي لما ينتظرني.

إذا أردت أن أبذل أقصى ما لديّ يوم السباق، فلا أستطيع أن أصل إليه وأنا أواصل التدريب المعتاد كأن لا موعد أمامي. أحتاج إلى مرحلة أخيرة أخفّف فيها الحمل وأتيح للجسم أن يستعيد قوّته.

كنت أجعل الأسبوعين الأخيرين أخفّ، بحصص هادئة وقصيرة، وأقصّرها أكثر كلما اقترب الموعد. أردت أن أترك للخدوش الصغيرة التي لا أشعر بها فرصة لتتعافى، وللعضلات أن تسترخي. وقد أذهب إلى التدليك أو إلى معالج اعتدت زيارته. هذا وقت الراحة وتعويض ما استهلكته، واستعادة مخزون الغليكوجين، لا وقت اختبار عنادي من جديد.

جرّبت طرائق عدّة، منها أن أتوقّف تمامًا في الأيام الأخيرة. لم أشعر أن ذلك كان أفضل ما يناسبني.

جرّبت أن أخفض المسافات إلى النصف دفعة واحدة، ولم يناسبني ذلك أيضًا. تعوّد الجسم سريعًا الحجم الجديد، ولم أشعر بتراكم الطاقة. ما فعلته كان قطعًا مفاجئًا للحمل، لا تخفيفًا متدرّجًا، ولم يكن الأفضل لي.

أنجح تخفيف للحمل عندي اتّخذ شكل السلّم:

أركض يوم الاثنين عشرتي المعتادة، ثم ثمانية كيلومترات الثلاثاء، وستة الأربعاء، وأربعة الخميس، واثنين الجمعة، وكيلومترًا واحدًا السبت. وبعدها تأتي ٤٢٫٢ كم يوم الأحد. كانت هذه درجات سلّمي أنا؛ الفكرة في الانخفاض المتدرّج، لا في نسخ الأرقام.

أقلّل الكمية لأستفيد من أثرها. أريد أن تظهر حصيلة السرعة والتحمّل في موعدها، يوم السباق، لا أن أستهلكها قبل الوصول إليه.

إنها فترة ماكرة. أثناء تخفيف الحمل أشعر بأن لياقتي تتراجع. لكنني لا أختبر ذلك بجولة شديدة؛ أفضّل «الطيران بالاعتماد على العدّادات»، أي الالتزام بالبرنامج وطرد الشكوك. الهدوء والثقة هما ما أحتاجه. للخطة أن تؤدّي عملها، فالأحاسيس الذاتية قد تخدعني، كما خدعتني من قبل.

كثيرًا ما اعتقدت أثناء هذه المرحلة أن شيئًا يسير خطأ، وأن نتيجتي ستكون سيئة. لكن تخفيف الحمل نجح معي ومع أعداد كبيرة من العدّائين، فكنت أقول لنفسي: ثق بالتجربة والإحصاءات.

الأيام الأخيرة قبل السباق

أجعل الجمعة قبل السباق يومًا هادئًا قدر الإمكان. لا مشي طويلًا، ولا توتّرًا أستطيع تجنّبه. ولا أقلب طعامي ومواعيدي فجأة؛ أترك التغيّرات الصغيرة تتدرّج.

في الأيام الأخيرة كنت أزيد الكربوهيدرات التي أعرف أن معدتي تتقبّلها: الحبوب المطبوخة والموز والمعكرونة. وأخفّف الأطعمة التي قد تثقل عليّ، من اللحم المقلي والمدخّن إلى البيض ومنتجات الحليب والمأكولات البحرية والفواكه المجفّفة. لا أريد أن أفكّر في الهضم أثناء السباق أكثر مما أفكّر في الطريق. معذرة على التفصيل، لكنه من تفاصيل الماراثون فعلًا. وأنتبه إلى شرب الماء أيضًا، أكثر مما أفعل عادة.

للعدّائين طقوس طريفة قبل السباق، مثل تصوير العُدّة ونشرها: الحذاء والقميص ورقم المشاركة والأجهزة وأكياس الجلّ. ولهذا منطق؛ أراجع ما أحتاجه وأجري بروفة للتجهيز. والانضمام إلى تقاليد الجماعة التي صرت منها يمنح دعمًا نفسيًا أيضًا.

ومن هذه الطقوس «حفلة المعكرونة». يجتمع العدّاؤون قبل السباق على السباغيتي وغيرها من الوجبات الغنية بالكربوهيدرات، ليملؤوا مخزونهم قبل أن ينفقوه على الطريق. حفلة لها عذر رياضي محترم.

وأرجوكم: لا تنسوا أظافر القدمين!

قاعدة لا أستثني منها شيئًا: لا أستخدم في الماراثون قطعة جديدة لم أجرّبها. حتى الحذاء المميّز ذو العمر المحدود أجرّبه في جولات قبل أن أحتفظ به للسباق الكبير. لا حذاء جديد، ولا جوارب أو أكمام ضغط جديدة. أختبر المقاسات والاحتكاك مسبقًا؛ فالمسافة الطويلة بارعة في كشف المفاجآت.

وهذه قائمة ما أجهّزه ليوم السباق:

  • حذاء السباق الذي جرّبته وأثق به؛
  • قميص جرّبته وأعرف أنه لا يسلخ الجلد؛
  • شورت أو سروال ركض ملتصق بالجسم؛
  • ملابس داخلية مجرّبة لا تحتكّ بالجلد؛
  • جوارب ركض ضاغطة؛
  • جوارب ضاغطة طويلة إلى الركبة؛
  • الهاتف وسماعات الرأس؛
  • ساعة رياضية أو سوار رياضي؛
  • حقيبة خصر؛
  • تغذية رياضية: جلّ الطاقة أو مشروب متساوي التوتّر أو ألواح طاقة؛ وقبعة أو عصابة رأس أو منديل للرأس بحسب ما اعتدت ارتداءه. أنا أختار القبعة؛
  • نظارة شمسية رياضية إذا احتجت إليها؛
  • غطاء للمطر إذا كانت التوقّعات تشير إليه؛
  • جواز السفر، وحقيبة المشاركة ورقم السباق؛
  • ملابس جافّة أبدّل إليها بعد النهاية؛
  • حذاء واسع ومريح لما بعد السباق؛
  • حقيبة لوضع ملابسك فيها أثناء السباق.

غالبًا أحتاج إلى زيارة منطقة السباق قبل يوم أو يومين لاستلام الرقم وحقيبة المشاركة شخصيًا. أعاين غرف تبديل الملابس ودورات المياه وأماكنها البديلة إن وُجدت، وأقدّر زمن الوصول في اليوم التالي. هذا مهمّ لأن كثيرًا من الشوارع سيُغلق يوم السباق.

في الليلة السابقة أمنح الأريكة حقّها أخيرًا: أقرأ أو أشاهد فيلمًا ولا أفعل شيئًا مهمًّا. أذهب إلى الفراش مبكرًا، وإن لم أتوقّع نومًا مثاليًّا. فالقلق يجد طريقه حتى إلى أكثرنا ثقة. إذا تعذّر عليّ النوم الجيد، أتيح لنفسي على الأقل وقتًا أطول للراحة.

ومن الأريكة أدرس المسار: أي المعالم سأرى، وفي أي كيلومتر؟ وأتوقّف خصوصًا عند خريطة الارتفاعات التي ينشرها المنظّمون عادة. أين أصعد وأين أنزل؟ أين المنعطفات والجسور والتموين؟ أتخيّل جهدي موزّعًا على الطريق: هنا أتمهّل، وهنا أستطيع الإنفاق قليلًا. أحبّ أن أصل إلى المسار وقد تعرّفت إليه على الورق.

أختار قائمة الموسيقى أو أضبط المترونوم.

تخيّل السباق كاملًا، وحدد أين ستبلغ الكيلومترات ٥ و٨ و١٠ و١٦ و٢١ و٤٠، وكيف ستجتازها بسلاسة. يمكنك أن تنام على هذه الصورة.

يوم السباق

أضبط منبّهين، بينهما خمس دقائق. لا أريد أن أترك الأمر لساعة جسمي الداخلية، خصوصًا إن تأخّرت في النوم. أن أنام عن السباق الذي استعددت له نصف سنة أو سنة: هذا كابوس يستحقّ منبّهًا احتياطيًّا.

قبل البداية بنحو ساعتين أتناول إفطارًا يغلب عليه ما اعتدت من الكربوهيدرات: الشوفان أو الأرز المطبوخ أو المعكرونة، ومعها موزة وشاي محلّى. لا أجعل صباح السباق موعدًا لتجارب المطبخ.

أتأكّد من شحن الهاتف والسماعتين. وقبل إيداع حقيبتي أزيد شحن الهاتف من البطارية المحمولة؛ هذا ما أفعله للاطمئنان.

لا أحتاج إلى طبقات كثيرة. كلما أسرعت ارتفعت حرارتي، وزيادتها قد تفسد النتيجة. حتى في الجو البارد قد تجعلني سترة إضافية أو قميص طويل أسخن مما ينبغي. كما أن القميص الذي يحمل رقم السباق والشريحة لا يمكن نزعه ببساطة. لذلك أفضل غطاء مطر خفيفًا يدفئني قبل البداية، ثم أتخلّص منه في المكان المخصّص.

لا أحبّ الوصول مبكرًا جدًا فأبرد أو أملّ. أفضّل أن يبقى بعد تغيير الملابس ٣٠–٤٠ دقيقة للإحماء؛ ولذلك أصل عادة قبل البداية بنحو ساعة ونصف.

أستغلّ الوقت في إحماء دقيق: حركات إطالة وقفزات ومقاطع ركض قصيرة جدًا، من ٢٠ إلى ٥٠ م، لتنشيط العضلات. ثم أقف في طابور دورة المياه؛ خسارة دقائق على المسار لاحقًا أمر محبط.

وإذا تأخّرت قليلًا، فلا أزيد الأمر هلعًا. في السباقات ذات الانطلاق المتدرّج التي عرفتها، قد أبدأ مع مجموعة متأخرة وتظلّ نتيجتي محسوبة. لذلك لا أحوّل طابور دورة المياه إلى مأساة. ومع ذلك، يظلّ الوصول في الموعد أريح بكثير.

قد أصادف أصدقاء، لكن الوقت لا يسمح بحديث طويل، ولا أريد قطع تركيزهم أو تركيزي. تكفي أمنية بقدمين خفيفتين وسباق طيّب، ثم يواصل كل منا استعداده.

ماراثون

ماراثون مدينة صغيرة في شرق أتيكا باليونان، يبلغ عدد سكانها نحو ٧٠٠٠ نسمة. بهذا المعنى، لا يوجد سوى ٧٠٠٠ «ماراثوني» أصلي، مع أن الملايين يطلقون على أنفسهم هذا الاسم. وأنا منهم.

أكاد أظنّ أن اسم هذه المدينة يتردّد في العالم أكثر من اسم أثينا، والفضل لنا نحن العدّائين. ما إن يصير الركض هواية حتى يأخذ الماراثون مكانه في الأحلام: مسافة نهابها، وإنجاز نريد يومًا أن نقول إننا حقّقناه.

حين بدأت الركض أردت زيارة مدينة ماراثون، وحقّقت ذلك. تجوّلت مع أصدقائي بين التلال والجبال المنخفضة وعبر الأنهار وفي الممرات، وأنا أتخيّل الرسول اليوناني الذي عبر هذه الأماكن ليعلن النصر على الفرس. توقّعت رمزًا لمجتمع الركض يجسّد روحه، لكن المدينة لم تبدُ مشبعة بتلك الروح. مدينة ساحلية ومطاعم يونانية معتادة وتمثال صغير لمحارب يخلّد المعركة. نصب لنصر عسكري، لا للسباق الذي يلهمنا الآن.

بحسب الأسطورة التي يتناقلها العدّاؤون، جاءت مسافة الماراثون تكريمًا للرسول اليوناني فيديبيدس. في سنة ٤٩٠ قبل الميلاد انتصر اليونانيون على الفرس، وانطلق رسول إلى أثينا يحمل الخبر. يُقال إنه لم يتوقّف طوال الطريق. أتخيّله بنبض مرتفع جدًا، بلا نقاط تموين، منهكًا من العطش، ثم يعلن النصر ويسقط ميتًا. حكاية حزينة، يردّها بعض المؤرّخين إلى رواية بلوتارخ، لكنها شديدة البقاء في الذاكرة.

وحين أُحييت الألعاب الأولمبية الحديثة بمبادرة بيير دي كوبرتان، في أثينا سنة ١٨٩٦، ظهر سباق الماراثون. خرج العدّاؤون من الملعب إلى الطريق بين ماراثون وأثينا. وفاز اليوناني سبيريدون لويس في ساعتين وثمان وخمسين دقيقة. كانت المسافة يومها أربعين كيلومترًا فقط؛ كلمة «فقط» لا يحقّ لي أن أقولها بسهولة.

في الدورات الأولمبية السبع الأولى لم تثبت المسافة؛ تراوحت بين أربعين و٤٢٫٧٥ كيلومترًا. تغيّر موضع النهاية بحسب الطريق، والرغبة في ختام لافت داخل الملعب الأولمبي. ولهذه المسافة مكانة خاصة؛ اعتادت أن تكون من مشاهد ختام منافسات ألعاب القوى.

وفي أولمبياد لندن سنة ١٩٠٨ ظهرت مسافة ٤٢٫١٩٥ كيلومترًا. كان المخطّط نحو خمسة وعشرين ميلًا، أي قرابة أربعين كيلومترًا، ثم رُتّب الطريق بين قلعة وندسور والملعب مع مراعاة حضور الأسرة الملكية. تغيّرت المسافة بعد ذلك أيضًا، حتى اعتمدها الاتحاد الدولي لألعاب القوى سنة ١٩٢١: اثنان وأربعون كيلومترًا ومئة وخمسة وتسعون مترًا.

واليوم تتوزّع مئات سباقات الماراثون ونصف الماراثون على مدن العالم كل عام. مئات الفرص. لعلّ إحداها تنتظرك أنت أيضًا.

تتضمن سلسلة سباقات أبوت العالمية الكبرى الآن ثمانية سباقات ماراثون: طوكيو، ولندن، وبوسطن، وشيكاغو، ونيويورك، وبرلين، وسيدني، وكيب تاون. تم الإعلان عن الانطلاقة الأولى لماراثون كيب تاون كسباق رئيسي في عام ٢٠٢٧. والمشاركة فيها جميعها حلم يراود الكثير من العدائين. ومع ذلك، لا تزال ميدالية النجوم الستة تُمنح للماراثونات الستة الأصلية: طوكيو ولندن وبوسطن وشيكاغو ونيويورك وبرلين. لقد توسع تكوين السلسلة، لكن شروط هذه الميدالية ظلت كما هي.

استراتيجية السباق الكبير

في اليوم السابق للسباق يفوت أوان التدريب، ولا يفوت أوان التفكير. أجلس إلى خطتي: كيف أريد أن أقطع المسافة التي استعددت لها كل هذه الشهور؟

يفكّر كثير من المبتدئين هكذا: سأركض سريعًا ما استطعت، وأكسب وقتًا في البداية، ثم أصل إلى النهاية بطريقة ما. فتضيع الطاقة مبكرًا. وفي وسط المسافة، أبكر قليلًا عند بعضهم وأبعد عند آخرين، يظهر «جدار الماراثون»، أو جدار نفاد الكربوهيدرات، وتصبح الحركة شاقّة. قرب النهاية تسأل بيأس: لماذا كل هذا؟ تتقدّم بالإرادة، وتمشي بين حين وآخر، وتهبط السرعة حتى تبتلع كل ما كسبته من اندفاعة البداية.

استراتيجية سيئة؟ لعلّها الأسوأ. وهي، بالطبع، الاستراتيجية التي اخترتها لماراثوني الأول. ثم قرأت فوجدت أنني لست صاحب هذا الاختراع. في ذلك عزاء صغير.

الاستراتيجية الواعدة أكثر هي negative split، أي قطع النصف الثاني أسرع من الأول. أبدأ أبطأ من الوتيرة المخطّطة، ثم أزيد السرعة تدريجيًا. كنت أراها طريقة الأرقام العالمية، لكن تنفيذها ليس سهلًا للمبتدئ.

هل أنهيت سباقًا من قبل عند آخر حدود قدرتك، لا تكاد تحرّك قدميك، ولا يدفعك إلا العناد؟ إذا حدث ذلك، يصعب عليك في البداية تصديق فكرة أن يكون النصف الثاني أسرع. يبدو محتومًا أن يكون أشق وأبطأ. لكن التسارع في النصف الثاني ممكن، وهو ما يفعله المحترفون. إذن يمكن للهواة أن يتعلموه أيضًا!

جرّبت تقسيم المسافة إلى ثلاثة أجزاء. أبدأ أبطأ قليلًا من الوتيرة المستهدفة، وأدع من شاء يتجاوزني في حماس البداية. في الجزء الثاني أبلغ وتيرتي، وأمرّ ببعض من أنهكتهم الاندفاعة الأولى. وفي الثالث، إن بقيت قوّة، أزيد السرعة؛ وإن لم تبقَ، أحافظ على ما استطعت. حلّ وسط أغراني بالتجربة. لكنه لم يخرج في محاولتي الأولى كما رسمته؛ لا هذا ولا ذاك.

النصيحة التي نفعتني هي أن أبدأ أبطأ قليلًا من وتيرة واقعية أستهدفها، ثم أزيد بالتدريج. والزحام الأول يساعدني، رغم تذمّري منه: لا أستطيع الاندفاع كما أشاء. تتفرّق الجموع لاحقًا فيتّسع الطريق. بعد تجارب عدّة، وجدت أن هذه البداية الهادئة تعمل معي فعلًا.

لنفترض أن هدفي ماراثون في ٤ ساعات: أحتاج إلى وتيرة تقارب ٥:٤٠ دقائق/كم أو أسرع. المسافة طويلة، وسأجد وقتًا لتعويض دقائق البداية، من دون أن أقطع أنفاسي أو أرفع نبضي وأستنزف عضلاتي مبكرًا؛ فالعضلات المنهكة لن تتعافى قبل النهاية. مع البداية الهادئة تسخن العضلات وينتظم النفس والحركة، ثم أزيد السرعة قليلًا قليلًا بقدر ما أستطيع. يخبرني التطبيق بتحسّن المتوسط فيدعم حماسي. أما إذا هبطت السرعة، فقد أشعر باليأس لأن الخطة تفلت مني، وربما تكون كذلك فعلًا. أصغي إلى جسمي ولا أدفع نفسي إلى اليأس. ويساعدني تقسيم المسافة إلى نقاط مرجعية؛ فالعدد ٤٢، بالتقريب، مريح للقسمة إلى جزأين أو ثلاثة أو أربعة.

ولأجعل الحساب أسهل، أختار علامات قليلة على الطريق.

مثلًا:

عند الكيلومتر الرابع قطعت نحو عُشر المسافة. الأمر سهل حتى الآن.

وأتذكّر أن عليّ تكرار ما فعلته تسع مرات أخرى تقريبًا.

عند الكيلومتر السادس وصلت إلى نحو خمسة عشر في المئة؛ مرة ونصف ما قطعته عند العلامة الأولى.

وعند العاشر اقتربت من الربع.

بقيت ثلاث مسافات كهذه، ثم قطعة صغيرة أخيرة.

عند الرابع عشر أنهيت الثلث تقريبًا. جميل، أستطيع أن أسرع قليلًا.

عند الحادي والعشرين أصل إلى النصف. مررت بهذه المسافة في التدريب، لكن ما بعدها سيحتاج إلى جهد آخر. وعند الثامن والعشرين أنهيت الثلثين تقريبًا؛ أختبر ما بقي عندي. ثم يأتي الأربعون: النهاية قريبة، ويمكنني أن أبذل ما ادّخرته لها.

ومع ما تعلّمته من المحاولة الأولى، بقي التقسيم إلى ثلاثة أجزاء الأقرب إليّ. في الأول أكبح نفسي وأراقب النبض وأقول: ما أسهل هذا! في الثاني أخشى أن تفلت الخطة فأزيد السرعة. وعند بداية الثالث أشعر بأنني تأخّرت فعلًا، وأن عليّ استرداد الثواني. إحساس أعرفه منذ الشباب: أركض إلى محطة الترام قبل أن يغلق أبوابه. ها قد وجدت له استعمالًا آخر.

أحبّ المنافسة، وأحيانًا أغالب رغبة طفولية في تجاوز أقرب عدّاء لمجرّد تجاوزه. لكن ذلك لا معنى له هنا؛ لست أتنافس على الجوائز. منافستي مع نفسي ونتائجي السابقة. الأفضل أن أندمج في التيار وأدع جسمي يؤدّي ما درّبته عليه خلال الأشهر الستة أو السنة الماضية.

أقسى اللحظات الشخصية تقع في الكيلومترات الأخيرة: تعجز عن مواصلة الركض فتنتقل إلى المشي وتشعر بأنك خذلت نفسك، أو ترى آخرين ينسحبون. إنها مواجهة جدار الماراثون.

أضع الخطة في رأسي، أو أكتب أزمنتها على ورقة صغيرة أثبّتها على معصمي. لا أريد أن أحوّل الكيلومترات إلى دقائق وأجري حسابات طويلة وأنا أنهج. لا بأس بورقة غشّ في هذا الامتحان.

أما إذا كان هذا أول ماراثون أو نصف ماراثون لك، فلا تقلق كثيرًا: اليوم ستسجّل رقمًا شخصيًا مهما كان الزمن، بشرط أن تصل. لا ترفع السقف إلى أقصاه؛ ستريد رفعه العام المقبل. اترك لنسختك القادمة فرصة صغيرة، ولا تُسرع أكثر من اللازم في المحاولة الأولى.

بماذا أنشغل أثناء السباق الكبير؟

حين تعلمت القيادة، بدا مستحيلًا أن أفعل كل ذلك في وقت واحد: دواسات الوقود والقابض والفرامل، وتبديل التروس، والسرعة، والإشارات، والسيارات أمامي وخلفي وفي الاتجاه المقابل، والعلامات الأرضية، وحرارة المحرك، والوقود، وإشارات الانعطاف، ومسّاحات الزجاج، وأشياء أخرى كثيرة. ثم تعتاد ذلك كله، وتجد في رأسك متسعًا لتغيير الموسيقى والحديث مع الركاب، بل والمكالمات وملاحظة الجميلات في السيارات المجاورة.

يا لقدرة الدماغ على التعلّم. ما كان يستهلك انتباهي كلّه صار يترك مساحة لأشياء أخرى.

في السباق أيضًا أراقب أشياء كثيرة، كالسائق: السرعة والنبض والتضاريس والمنعطفات، والمسافة المقطوعة والمتبقّية، وكم بقي إلى نقطة التموين. ثم معدّل الخطوات وحركة الساقين والذراعين والتنفس ومرشد الوتيرة. وبعد فترة أستطيع، إلى جانب ذلك، سماع الموسيقى وملاحظة النساء الجميلات اللواتي أتجاوزهنّ أو يتجاوزنني، والعدّائين بالأزياء المضحكة، والعمارة حول المسار. أفكّر في عمل الغد، وفي تمرين أضيفه لاحقًا كي أركض أفضل. تصبح العملية طبيعية كقيادة السيارة.

أراقب العدّائين حولي باهتمام. النخبة سبقتنا كثيرًا، وقد نراها في الاتجاه المقابل إذا التفّ المسار. والأبطأ خلفنا، فيبقى حولي من يقاربون مستواي. أدرس تكتيكاتهم وحركتهم، وأبحث في حركة من أمامي عن تفاصيل زائدة: اهتزاز الرأس، وضع القدم غير الدقيق، تأرجح الذراعين. أراها عنده ثم أحاول تصحيحها عندي. الاقتصاد في الحركة مهمّ جدًا على المسافات الطويلة؛ كل حركة زائدة تستهلك طاقة. وحين تفلت دقّة حركتي، أعرف أن قوّتي تتناقص. «تماسك، أيها الضعيف!» أقول لنفسي وأعود إلى الانتباه.

أحسم بعض القرارات مسبقًا كيلا أستهلك الوقت والطاقة في التردّد: أي نقاط التموين سأستخدم وأيها أتجاوز، وكيف سأشرب قبل أن يشتدّ العطش، وهل سأركض وفق خطتي وحدي أم ضمن مجموعة خلف مرشد وتيرة اخترته.

وهناك مواقف لا تحتمل التردّد: إذا ساءت حالي، أنهي السباق وأطلب المساعدة. علينا الاعتراف بأننا، نحن الهواة، لا ندافع عن شرف الوطن؛ نحن نستمتع بهوايتنا. لا يستحقّ رقم شخصي المخاطرة بالصحة. للأسف، نرى في السباقات سيارات إسعاف حول عدّاء لم يحسن تقدير قوّته. إذا ساءت الأمور، فلا داعي للحيرة بشأن ما ينبغي فعله.

ومن الألعاب الذهنية حساب ما بقي إلى النهاية. التطبيق يقول لي ما قطعته، وقد يثقل ذلك نفسي: «وصلت إلى ٢٥ كم، يا لطول الطريق! والآن ٣٠، أكاد أموت من التعب...»

أفضّل أن أحسب ما بقي: «١٠ كم فقط، الربع الأخير، وقد ركضت هذه المسافة عشرات المرّات. والآن ٣ كم، أي ١٢–١٥ دقيقة، ثم أتوقّف وآكل موزة وألتقط صورة وأبتسم. قليل من الصبر! وإذا شددت قليلًا، انتهى الأمر أسرع».

وتسلّيني فكرة أخرى: من ينهي الماراثون في أربع ساعات يحتمل أربع ساعات من الجهد والشكّ والتعب. أما البطل فينتهي بعد ساعتين وشيء. يا لراحته! يحتاج إلى الصبر نصف المدة تقريبًا، ويصل إلى الشراب والصورة التذكارية قبلي بساعتين. هكذا أقنع نفسي بأن السرعة رحمة: أسرع قليلًا، تنتهِ هذه الحكاية أبكر. بهذا المنطق وحده، ساعتان أفضل من أربع.

وحين تعبر النهاية تعرف أن هناك حياة بعد ٤٢٫٢ كم. ها أنت عدّاء ماراثون حقيقي، من لحم ودم، لا اسمًا بعيدًا في قصة رياضية. صرت واحدًا من عائلة تمتدّ عبر القارات. خلّفت وراءك شكوك شهور التدريب، والمنبّهات المبكرة، والعضلات التي تئنّ، والأظافر التي دفعت نصيبها. والميدالية التي تتدلّى من عنقك تستحقّ كل ذلك، أيًّا كان الزمن المكتوب في النتيجة.